تحول نادر في الأسواق.. المستثمرون الأجانب يفضلون الأسهم الأميركية على سندات الخزانة
شهدت الأسواق الأميركية تحولًا لافتًا في سلوك المستثمرين الأجانب، بعدما أصبحت الأسهم الأميركية تستقطب تدفقات مالية أكبر من سندات الخزانة خلال الفترة الأخيرة، في تغير نادر يعكس اختلافًا في نظرة المستثمرين إلى الأصول الأميركية ومصادر العائد والمخاطر.
وبحسب تحليل أجراه دويتشه بنك لبيانات وزارة الخزانة الأميركية، بلغت التدفقات الأجنبية إلى الأسهم الأميركية ما يعادل نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي خلال العام المنتهي في يونيو 2026، مقابل نحو 2% لسندات الخزانة.
ويُعد هذا التحول استثنائيًا، إذ تشير بيانات البنك إلى أن تدفقات المستثمرين الأجانب إلى الأسهم تجاوزت التدفقات إلى سندات الخزانة للمرة الأولى خلال القرن الحالي، باستثناء فترات قصيرة وغير اعتيادية.
لماذا يتجه المستثمرون نحو الأسهم الأميركية؟
يرتبط هذا التغير بمجموعة من العوامل التي جعلت الأسهم الأميركية أكثر جذبًا لرؤوس الأموال الأجنبية، وفي مقدمتها الأداء القوي للشركات الكبرى واستمرار الاستثمارات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
فقد أصبحت شركات التكنولوجيا والشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تستحوذ على جزء مهم من اهتمام المستثمرين، مع توقعات بزيادة الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والحوسبة السحابية والبرمجيات المرتبطة بهذه التقنية.
وفي الوقت نفسه، حقق مؤشر S&P 500 مكاسب مزدوجة الرقم للعام الرابع على التوالي، وفق المعلومات الواردة في تحليل دويتشه بنك، مدعومًا بارتفاع أرباح الشركات والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ويعني ذلك أن المستثمر الأجنبي الذي يبحث عن النمو والعائد قد يجد في الأسهم الأميركية فرصة مختلفة عن العائد الذي توفره أدوات الدين الحكومية.
اقرأ أيضاً: أسهم الذكاء الاصطناعي تتراجع بعد تحذيرات من مخاطر التطوير السريع
سندات الخزانة تفقد جزءًا من جاذبيتها التقليدية
لطالما احتلت سندات الخزانة الأميركية مكانة مهمة في المحافظ الاستثمارية العالمية، باعتبارها من أبرز أدوات الدين السيادي المستخدمة للحفاظ على السيولة وإدارة المخاطر.
لكن هذه المكانة تواجه ضغوطًا في الوقت الحالي، مع استمرار المخاوف المرتبطة بحجم الدين العام الأميركي، إلى جانب القلق بشأن التضخم ومسار أسعار الفائدة والسياسة النقدية.
وتؤثر عوائد سندات الخزانة بشكل مباشر في قرارات المستثمرين. فعندما ترتفع العوائد، تصبح السندات أكثر جاذبية من الناحية الاستثمارية، لكن ارتفاع العوائد قد يكون في الوقت نفسه انعكاسًا لمخاوف بشأن التضخم أو المالية العامة أو قدرة الحكومة على إدارة مستويات الدين.
وهنا تظهر المفارقة التي يلفت إليها تحليل دويتشه بنك: الاقتصاد الخاص والشركات الأميركية يجذبان المزيد من الأموال، في حين يواجه القطاع العام مخاوف متزايدة مرتبطة بالدين والتمويل.
الذكاء الاصطناعي يدعم أرباح الشركات
أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم المحركات التي يعتمد عليها المستثمرون عند تقييم مستقبل الشركات الأميركية.
فالشركات لا تكتفي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير المنتجات والخدمات، بل تشهد قطاعات كاملة موجة من الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والمعالجات وأنظمة التخزين والشبكات.
وتنعكس هذه الاستثمارات على مجموعة واسعة من الشركات، بدءًا من شركات تصنيع الرقائق ووصولًا إلى شركات الحوسبة السحابية ومشغلي مراكز البيانات ومطوري البرمجيات.
كما أن توقعات ارتفاع الإنتاجية نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم إمكانات نمو أرباح بعض الشركات خلال السنوات المقبلة.
لكن استمرار هذا الزخم لا يعني أن الأسواق خالية من المخاطر، إذ تظل تقييمات الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي موضع متابعة من المستثمرين، خصوصًا مع ارتفاع التوقعات بشأن حجم العوائد المستقبلية.
دويتشه بنك: تحول في طبيعة التدفقات المالية
وقال جورج سارافيلوس، الرئيس العالمي لأبحاث العملات الأجنبية في دويتشه بنك، إن ما يحدث يمثل تحولًا كبيرًا في أسواق الأصول الأميركية.
وبحسب تحليله، فإن الميزانية العمومية للقطاع الخاص الأميركي تتوسع بقوة، بينما تزداد الضغوط على القطاع العام نتيجة أوضاع المالية الحكومية.
وهذا الاختلاف قد يغير الطريقة التي ينظر بها المستثمرون العالميون إلى الاقتصاد الأميركي.
ففي السابق كان جزء كبير من تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الولايات المتحدة يذهب إلى أدوات الدين الحكومية، بينما يشير التحول الحالي إلى زيادة الاهتمام بامتلاك حصص في الشركات الأميركية والاستفادة من نمو أرباحها.
ماذا يعني ذلك للدولار؟
لا يقتصر تأثير تغير تدفقات الأموال على الأسهم والسندات، بل يمكن أن يمتد إلى سوق العملات أيضًا.
ويرى سارافيلوس أن قيمة الدولار الأميركي قد تصبح أكثر ارتباطًا بتدفقات الأموال إلى الأسهم الأميركية مقارنة بالتدفقات إلى سندات الخزانة.
وبمعنى آخر، إذا استمر المستثمرون الأجانب في ضخ الأموال في الأسهم الأميركية نتيجة ارتفاع شهية المخاطرة وثقتهم في نمو الشركات، فقد تتغير طبيعة العلاقة بين أداء الدولار وحركة رؤوس الأموال.
لكن حركة العملة الأميركية لا تعتمد على عامل واحد، إذ تتأثر أيضًا بأسعار الفائدة، والتضخم، والسياسة النقدية، والاقتصاد العالمي، ومستوى الطلب على الأصول الأميركية.
مخاوف الدين والتضخم تظل حاضرة
رغم قوة الأسهم الأميركية، فإن المستثمرين لا يتجاهلون المخاطر المتعلقة بالاقتصاد الأميركي.
ويأتي الدين العام في مقدمة الملفات التي تحظى باهتمام الأسواق، خاصة مع استمرار ارتفاع احتياجات الحكومة إلى التمويل.
كما يمثل التضخم عاملًا مهمًا في تحديد اتجاه السياسة النقدية، لأن استمرار الضغوط السعرية لفترة أطول قد يؤثر في توقعات أسعار الفائدة، وبالتالي في تقييم الأسهم والسندات معًا.
وتكتسب استقلالية الاحتياطي الفيدرالي أهمية إضافية في هذا السياق، إذ تراقب الأسواق مدى قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات السياسة النقدية وفق أهدافه الاقتصادية بعيدًا عن الضغوط السياسية.
هل يعني ذلك نهاية عصر سندات الخزانة؟
لا يعني ارتفاع التدفقات إلى الأسهم الأميركية أن المستثمرين الأجانب تخلوا عن سندات الخزانة أو أن هذه الأدوات فقدت أهميتها.
فالسندات الحكومية لا تزال عنصرًا أساسيًا في المحافظ الاستثمارية العالمية، وتستخدم لأغراض متعددة، من بينها إدارة السيولة وتنويع الاستثمارات والتحوط من بعض المخاطر.
لكن الأرقام التي أوردها دويتشه بنك تشير إلى تغير نسبي في تفضيلات المستثمرين، مع توجه جزء أكبر من الأموال نحو الأسهم خلال الفترة محل الدراسة.
والفرق مهم؛ إذ لا يعني تفوق التدفقات إلى الأسهم أن المستثمرين لم يعودوا يرون سندات الخزانة أصلًا مهمًا، وإنما يعكس أن جاذبية النمو والعوائد المحتملة في سوق الأسهم أصبحت أقوى بالنسبة إلى بعض المستثمرين الأجانب.
ما الذي يجب مراقبته خلال الفترة المقبلة؟
ستظل عدة عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا التحول سيستمر أم يتغير خلال الفترة المقبلة، ومن أبرزها:
- أداء الشركات الأميركية وأرباحها.
- حجم الاستثمارات الجديدة في الذكاء الاصطناعي.
- تقييمات أسهم التكنولوجيا والشركات الكبرى.
- مسار التضخم في الولايات المتحدة.
- قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
- تطورات الدين والعجز في الموازنة الأميركية.
- حركة عوائد سندات الخزانة.
- اتجاه الدولار وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
وفي حال استمرت أرباح الشركات الأميركية في النمو بالتوازي مع استمرار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، فقد تظل الأسهم عنصرًا مهمًا في جذب رؤوس الأموال العالمية. وفي المقابل، يمكن أن تؤثر أي زيادة كبيرة في المخاطر الاقتصادية أو المالية على شهية المستثمرين تجاه الأصول الأميركية.
ما الذي نعرفه حتى الآن؟
تكشف بيانات دويتشه بنك عن تحول غير معتاد في تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الولايات المتحدة، بعدما بلغت التدفقات إلى الأسهم الأميركية 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المنتهي في يونيو 2026، مقابل 2% لسندات الخزانة.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه S&P 500 تسجيل مكاسب قوية، بدعم من أرباح الشركات والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما تواجه سندات الخزانة نقاشات متزايدة حول الدين العام والتضخم والسياسة النقدية.
ولا يعني هذا التحول التخلي عن السندات الحكومية الأميركية، لكنه يوضح أن المستثمرين العالميين أصبحوا ينظرون بدرجة أكبر إلى نمو الشركات الأميركية وسوق الأسهم كمصدر لجذب الأموال، بالتوازي مع استمرار متابعة المخاطر المرتبطة بالاقتصاد والمالية العامة في الولايات المتحدة.