مفاجآت تحت أرضيات قصر باكنغهام.. أحذية وتذاكر ووثائق تكشف تفاصيل الحياة داخل القصر
لم تكن فرق الترميم في قصر باكنغهام تتوقع أن تحمل أعمال إزالة الأرضيات معها مفاجآت من نوع مختلف. فبدلًا من العثور على مقتنيات ثمينة أو آثار ملكية نادرة، ظهرت مجموعة من الأغراض اليومية التي تركها أشخاص عاشوا أو عملوا داخل القصر قبل عقود، من بينها أحذية قديمة وتذكرة لحفل يعود تاريخها إلى عام 1949، وقسيمة لمسابقة لتوقع نتائج مباريات كرة القدم، إلى جانب صحف ووثائق مرتبطة بمناسبات ملكية.
وتأتي هذه الاكتشافات خلال مشروع ترميم ضخم لقصر باكنغهام تبلغ تكلفته نحو 370 مليون جنيه إسترليني، وهو مشروع بدأ عام 2017 ويهدف إلى تحديث عدد كبير من الأنظمة والبنية التحتية داخل المبنى، بما في ذلك شبكات الكهرباء والتدفئة والسباكة، على أن يكتمل المشروع وفق المعلومات المتاحة العام المقبل.
ورغم أن الأشياء التي عُثر عليها لا تبدو ذات قيمة مادية كبيرة، فإن أهميتها تكمن في قدرتها على تقديم لمحات نادرة عن الحياة اليومية داخل أحد أشهر القصور في العالم.
ماذا عثر العمال تحت أرضيات قصر باكنغهام؟
كشفت أعمال الترميم عن مجموعة متنوعة من الأغراض التي يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر، بينما يرتبط بعضها الآخر بسنوات أحدث من تاريخ القصر.
ومن أبرز ما عثر عليه العمال:
- تذكرة لحفل أقامه النادي الاجتماعي للعاملين في الأسرة الملكية عام 1949.
- قسيمة فارغة لمسابقة لتوقع نتائج مباريات كرة القدم تعود إلى عام 1957.
- زوج من الأحذية السوداء الثقيلة والمتهالكة.
- علبة سجائر فارغة.
- قصاصة من صحيفة تعود إلى عام 1889.
- صفحات من صحيفة تعود إلى عام 1966.
- وثيقة مكتوبة على الآلة الكاتبة تعود إلى عام 1977.
- بلاطات خزفية زخرفية قديمة.
- إبريق من معدن البيوتر.
- زجاجة قديمة من مياه شويبس ستيل مالفرن.
- صندوق خشبي لتوصيل الكهرباء.
- علبة تحتوي على ست بطاقات لعيد الميلاد.
وتمنح هذه القائمة صورة مختلفة عن الأشياء التي قد يتوقعها الزائر عند التفكير في قصر ملكي، إذ تكشف أن المكان لم يكن مجرد مقر للمناسبات الرسمية، بل كان أيضًا بيئة عمل وحياة يومية لمئات الأشخاص على مدار أجيال.
اقرأ أيضاً: على طريقة أفلام بوليوود.. صديقتان تكتشفان بعد عقود أنهما شقيقتان
تذكرة عمرها أكثر من 75 عامًا
من أكثر القطع إثارة للاهتمام تذكرة لحفل حمل اسم “ويست درايف”، نظمه النادي الاجتماعي للعاملين في الأسرة الملكية.
وتعود التذكرة إلى 14 أبريل 1949، وكان سعرها في ذلك الوقت ستة بنسات.
ورغم بساطة التذكرة، فإنها تحمل قيمة تاريخية باعتبارها وثيقة صغيرة توثق جانبًا من الأنشطة الاجتماعية التي كان يشارك فيها العاملون داخل البيئة الملكية.
فالمناسبات الرسمية التي يعرفها الجمهور عادة لا تمثل سوى جزء من الحياة داخل القصر، بينما تكشف مثل هذه التذكارات أن العاملين كانوا يمتلكون أيضًا أنشطة اجتماعية خاصة بهم.
ومن هنا تبرز أهمية العثور على التذكرة بين الأشياء المدفونة تحت الأرضيات، لأنها تمنح الباحثين لمحة عن تفاصيل الحياة خارج البروتوكولات والمراسم الملكية.
كرة القدم وصلت إلى أرضيات القصر
ومن بين المفاجآت الأخرى العثور على قسيمة فارغة لمسابقة “ليتوودز” الخاصة بتوقع نتائج مباريات كرة القدم، وتعود إلى عام 1957.
وتبدو هذه القطعة بسيطة، لكنها تضيف جانبًا آخر إلى الصورة التي يمكن تكوينها عن العاملين في القصر في ذلك الوقت.
فكرة توقع نتائج مباريات كرة القدم كانت جزءًا من الثقافة الرياضية والترفيهية في بريطانيا، والعثور على القسيمة داخل قصر باكنغهام يوضح أن الحياة اليومية للعاملين لم تكن منفصلة عن الاهتمامات الشعبية السائدة في المجتمع البريطاني.
كما أن وجودها إلى جانب الأحذية والصحف وغيرها من الأغراض اليومية يعزز الاعتقاد بأن بعض هذه الأشياء تركت في أماكن مخفية أو سقطت أسفل الأرضيات خلال فترات سابقة، قبل أن تظهر بعد مرور عقود مع أعمال الترميم.
أحذية قديمة وعلبة سجائر
وعثرت فرق الترميم أيضًا على زوج من الأحذية السوداء الثقيلة والمتهالكة.
ولا تتوافر، بحسب المعلومات المتاحة، تفاصيل تحدد هوية صاحب الحذاء أو الظروف التي انتهى بها المطاف أسفل الأرضيات.
لكن وجوده يقدم مثالًا واضحًا على طبيعة الاكتشافات التي قد تظهر أثناء عمليات ترميم المباني التاريخية.
كما ظهرت علبة سجائر فارغة من نوع “سيلك كت”، وهي علامة تجارية ارتبطت بتدخين الملكة كاميلا.
ومع ذلك، لا يعني العثور على العلبة داخل القصر بالضرورة أنها كانت تخص الملكة، ولذلك من المهم عدم الربط بين القطعة والملكة كاميلا باعتباره حقيقة مؤكدة من دون دليل يحدد صاحبها.
وهذه نقطة مهمة عند التعامل مع الاكتشافات التاريخية، فوجود غرض داخل مبنى ملكي لا يعني تلقائيًا ارتباطه بشخصية ملكية بعينها.
صحيفة من عام 1889
لم تقتصر الاكتشافات على مقتنيات تعود إلى القرن العشرين، إذ عثرت فرق الترميم أيضًا على قصاصة من صحيفة “ذا ستاندرد” تعود إلى عام 1889.
وتتضمن القصاصة قائمة بالعروض المسرحية التي كانت تُقدم في مسارح منطقة ويست إند في لندن.
وتوفر الصحف القديمة عادة صورة مهمة عن الحياة الاجتماعية والثقافية في الفترة التي صدرت فيها، ولذلك فإن هذه القصاصة لا تمثل مجرد ورقة قديمة، بل نافذة صغيرة على طبيعة الترفيه الذي كان متاحًا لسكان لندن في نهاية القرن التاسع عشر.
كما عُثر على صفحات من صحيفة “ديلي إكسبريس” تعود إلى عام 1966، وتناولت موضوعات من بينها سجن دورهام وأفراد عصابة ارتبطت بسرقة القطارات الكبرى.
وثيقة من عهد الملكة إليزابيث الثانية
ربما كان الاكتشاف الأكثر ارتباطًا مباشرة بالحياة الملكية وثيقة مكتوبة على الآلة الكاتبة تعود إلى عام 1977.
وتتضمن الوثيقة جدولًا زمنيًا وتعليمات خاصة بحفل استقبال للسلك الدبلوماسي استضافته الملكة إليزابيث الثانية خلال عام اليوبيل الفضي.
وتكشف الوثيقة عن تفاصيل دقيقة حول كيفية تنظيم المناسبة، وهو ما يجعلها مختلفة عن التذكارات اليومية التي عُثر عليها في المكان.
تعليمات دقيقة للحفل
توضح الوثيقة أن الملكة وأفرادًا من العائلة الملكية كانوا سيتحركون داخل قاعة الرقص في اتجاه عقارب الساعة.
كما تضمنت تعليمات للمساعدين من أجل تشجيع نحو 350 ضيفًا بريطانيًا على الاختلاط بالدبلوماسيين خلال المناسبة.
وتضمنت الوثيقة أيضًا تفاصيل تتعلق بالمشروبات ومواعيد تقديمها، إلى جانب قواعد خاصة بالتدخين في عدد من الغرف الرسمية.
أما بالنسبة إلى قواعد الملابس، فقد طلب من الحضور ارتداء ملابس السهرة الرسمية وربطات العنق البيضاء والأوسمة أو الأزياء الوطنية.
وكان من المقرر أن ترتدي النساء من أفراد العائلة الملكية التيجان خلال المناسبة.
هذه التفاصيل تعكس مدى الدقة التي كانت تحيط بالمناسبات الملكية، حيث لم تترك الإجراءات المتعلقة بالحركة والملابس والضيافة للتقدير الشخصي، بل كانت جزءًا من ترتيبات مسبقة ومكتوبة.
لماذا تعد هذه الأشياء مهمة؟
قد يبدو العثور على حذاء قديم أو تذكرة حفلة أو صحيفة ممزقة أمرًا عاديًا، لكن قيمة هذه الأشياء تتغير عندما تكون موجودة داخل مبنى تاريخي مثل قصر باكنغهام.
فالمباني التاريخية لا تحفظ تاريخها فقط من خلال اللوحات والأثاث الرسمي والوثائق المهمة، وإنما يمكن للأشياء الصغيرة أيضًا أن تكشف جوانب من الحياة اليومية لا تظهر في السجلات الرسمية.
وتقدم هذه المكتشفات مجموعة متنوعة من المعلومات، من الأنشطة الاجتماعية للعاملين إلى الاهتمامات الرياضية، مرورًا بالصحف التي كانوا يقرأونها والمناسبات الملكية التي شاركوا في تنظيمها.
وبذلك يمكن النظر إلى هذه الأغراض باعتبارها شواهد صغيرة على حياة أشخاص مروا بالمكان خلال فترات مختلفة.
مشروع ترميم ضخم لقصر باكنغهام
جاءت الاكتشافات في إطار مشروع ترميم واسع النطاق لقصر باكنغهام، تبلغ تكلفته نحو 370 مليون جنيه إسترليني.
ويشمل المشروع تحديث البنية التحتية الأساسية للقصر، ومن بينها أنظمة الكهرباء والتدفئة والسباكة.
وتفرض عمليات ترميم مبنى تاريخي بهذا الحجم تحديات كبيرة، إذ يتعين تحديث الأنظمة الضرورية للحفاظ على سلامة المبنى واستمراره في أداء وظائفه، مع مراعاة القيمة التاريخية والمعمارية للمكان.
ولهذا السبب، يمكن أن تكشف عمليات إزالة الأرضيات والجدران أو الوصول إلى المناطق القديمة عن أشياء ظلت بعيدة عن الأنظار لعشرات السنين.
القصر يحتفظ بتاريخ يتجاوز المراسم الملكية
تمنح هذه الاكتشافات صورة أكثر إنسانية عن قصر باكنغهام.
فوراء الغرف الرسمية والمناسبات الدبلوماسية والاستقبالات الملكية، كان هناك عدد كبير من الأشخاص الذين يعملون في القصر ويعيشون تفاصيل حياتهم اليومية.
وتكشف تذكرة الحفل عن الجانب الاجتماعي، بينما تشير قسيمة كرة القدم إلى الاهتمامات الرياضية، وتظهر الصحف نوعية الأخبار والموضوعات التي كانت متداولة، في حين تعطي الوثيقة الخاصة بحفل عام 1977 فكرة عن التنظيم الدقيق للمناسبات الملكية.
وهكذا أصبحت الأشياء التي اختبأت تحت الأرضيات لعقود بمثابة مجموعة غير متوقعة من الشهادات على مراحل مختلفة من تاريخ القصر.
ما الذي نعرفه حتى الآن؟
تكشف أعمال الترميم في قصر باكنغهام عن مجموعة من الأغراض القديمة التي ظلت مخفية تحت الأرضيات وفي أجزاء أخرى من المبنى لسنوات طويلة.
وتشمل المكتشفات تذكرة لحفل يعود إلى عام 1949، وقسيمة لمسابقة توقع نتائج مباريات كرة القدم من عام 1957، وأحذية قديمة، وعلبة سجائر، وصحفًا من عامي 1889 و1966، إلى جانب وثيقة تعود إلى عام 1977 مرتبطة بحفل استقبال دبلوماسي استضافته الملكة إليزابيث الثانية.
وتكمن أهمية هذه الأشياء في أنها لا توثق فقط التاريخ الرسمي للقصر، وإنما تكشف أيضًا تفاصيل من الحياة اليومية للعاملين فيه والأنشطة التي كانت تدور بعيدًا عن أعين الجمهور.
أما مشروع الترميم نفسه، فيهدف إلى تحديث البنية التحتية للقصر بتكلفة تقدر بنحو 370 مليون جنيه إسترليني، ومن المتوقع اكتماله العام المقبل وفق المعلومات الواردة في التقرير.