أجهزة الذكاء الاصطناعي تضع الخصوصية أمام اختبار قانوني جديد
تدخل الأجهزة القابلة للارتداء المدعومة بالذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من الاستخدام اليومي، مع اعتماد بعضها على الاستماع المستمر للمحادثات وتسجيل الملاحظات وتحليل ما يحيط بالمستخدم، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن الخصوصية والمسؤولية القانونية.
وتبرز المشكلة بصورة خاصة عندما تسجل هذه الأجهزة محادثات أو تجمع معلومات عن أشخاص لم يختاروا استخدام الجهاز ولم يمنحوا موافقتهم على معالجة بياناتهم.
أجهزة تراقب تفاصيل الحياة اليومية
يُعد كريس توماس، البالغ من العمر 43 عامًا، من مستخدمي هذا النوع من التقنيات. فهو يعتمد على نظارات ذكية من «ميتا» مزودة بكاميرات، وقلادة من Fieldy لتدوين الملاحظات، وسوار من Bee التابع لأمازون.
ويستخدم توماس، الذي يدير شركة ويقدم بثًا مباشرًا في بيتسبرغ الأميركية، هذه الأجهزة للمساعدة في تنظيم يومه وتذكيره بالمواعيد والمهام وسداد الفواتير.
لكن وجود هذه الأجهزة لا يلقى قبولًا دائمًا من الأشخاص المحيطين به. فقد طلب منه أحد رواد حانة خلع نظارات «ميتا» بعد أن شعر بعدم الارتياح لوجود كاميرا وميكروفون بالقرب منه.
ويقول توماس إنه عندما يواجه مثل هذا الموقف، لا يكتفي بإيقاف النظارات، بل يخلعها بالكامل، لأن بعض الأشخاص لا يشعرون بالثقة حتى عندما يُقال لهم إن الجهاز متوقف.
موجة جديدة من الأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي
يتزامن ذلك مع توسع شركات التكنولوجيا في طرح أجهزة قادرة على الاستماع إلى تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى نصوص وملخصات.
وكشفت أمازون عن جهازَي Bee Frontier وBee Eclipse، المصممين لتسجيل تفاصيل من يوم المستخدم وتفريغها وتحليلها.
كما طرحت أبل في ساعة Apple Watch Series 12 ميزة Siri Recap، التي تساعد في تدوين الملاحظات وإنشاء ملخصات للمحادثات، إلى جانب ميزة Live Rewind التي تتيح تلخيص آخر 15 ثانية من محادثة في صورة نصية.
وتتيح نظارات «ميتا» الذكية التقاط الصور والفيديو وتسجيل الملاحظات الصوتية والتذكيرات، بينما تطور شركات مثل Plaud وPocket أجهزة صغيرة لتدوين الملاحظات، وتقدم شركة Friend قلادة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وتسوق الشركات هذه المنتجات باعتبارها أدوات لزيادة الإنتاجية، من خلال تفريغ الاجتماعات، وتسجيل الملاحظات، وتقديم التذكيرات والتوصيات الشخصية.
لكن هذه الوظائف نفسها تفتح بابًا معقدًا من الأسئلة المتعلقة بمن يملك البيانات، ومن وافق على جمعها، ومن يتحمل المسؤولية عندما يكون الأشخاص الموجودون بالقرب من المستخدم جزءًا من التسجيل دون علمهم.
اقرأ أيضاً: انتحال هوية صحفية بريطانية يكشف كيف يستغل المحتالون الذكاء الاصطناعي
هل معالجة المحادثة تُعد اعتراضًا للاتصالات؟
كانت المساعدات الصوتية التقليدية تعتمد غالبًا على عبارة تنبيه قبل بدء الاستجابة، وقد أثارت في السابق قضايا تتعلق بالتسجيل العرضي للمحادثات.
أما بعض أجهزة الذكاء الاصطناعي الحديثة، فمصممة للاستماع بصورة مستمرة وتحليل الكلام واستخلاص معناه، وفي بعض الحالات دون الاحتفاظ بالملف الصوتي الأصلي.
وهنا تظهر منطقة قانونية لم تُحسم بشكل كافٍ: هل يمكن اعتبار الاستماع المستمر إلى محادثة ومعالجتها وتحويلها إلى نص أو ملخص نوعًا من اعتراض الاتصالات، حتى إذا لم يُحفظ التسجيل الصوتي؟
وترى كارين بانيتا، عميدة الدراسات العليا في كلية الهندسة بجامعة تافتس وزميلة في معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات، أن التعامل مع هذه التقنيات يستدعي الحذر.
وتشير إلى أن موافقة مستخدم الجهاز على تسجيل صوته أو ما يراه لا تعني تلقائيًا أن الأشخاص المحيطين به وافقوا على التسجيل أو المعالجة.
الشركات تحاول معالجة مخاوف الخصوصية
تؤكد أبل أن ميزة تدوين المحادثات لديها لا تخزن الصوت ولا ترسل التسجيلات إلى خوادمها، كما تقول إن المحتوى لا يخضع لمراجعة بشرية.
من جانبها، تقول أمازون إن أجهزة Bee لا تحتفظ بالتسجيلات الصوتية، وإن معالجة المحادثات تتم داخل بيئة آمنة لا تستطيع الشركة الوصول إلى بيانات المستخدم فيها.
لكن هذه الإجراءات التقنية لا تحسم بالضرورة المسؤولية القانونية، لأن قوانين الخصوصية والتنصت في الولايات المتحدة تختلف من ولاية إلى أخرى، وبعضها يركز على اعتراض محتوى الاتصال أو الحصول عليه، وليس فقط على إنشاء ملف صوتي.
المستخدم قد يتحمل المسؤولية القانونية
يرى كولين زيك، محامي الخصوصية وأمن البيانات في شركة Foley Hoag، أن أبل استفادت من الدروس التي قدمتها القضايا السابقة المتعلقة بالمساعدات الصوتية.
لكن الأجهزة الجديدة، بحسب التحليل الوارد في التقرير، تطرح سؤالًا مختلفًا لأن المستخدم قد يختار عمدًا تفعيل خاصية تستمع إلى المحادثات وتفسرها بدلًا من مجرد التقاط أمر صوتي بالخطأ.
وتشير بعض قوانين الولايات إلى تعريفات واسعة للاعتراض. ففي ماساتشوستس، على سبيل المثال، يشمل تعريف جهاز الاعتراض معدات قادرة على نقل الاتصالات أو استقبالها أو تضخيمها أو تسجيلها، بينما يمكن أن يشمل مفهوم الاتصال مضمونه ومعناه.
وبناءً على هذا النوع من التعريفات، يرى زيك أن جهازًا يستقبل الكلام بصورة مستمرة ويحوّله إلى ملخص مكتوب قد يثير تساؤلات قانونية حتى في حال عدم الاحتفاظ بالتسجيل الصوتي.
وفي بعض الحالات، قد تنتقل المخاطر القانونية من الشركة المصنعة إلى الشخص الذي يرتدي الجهاز، لأن الشخص الموجود معه لم يشترِ الجهاز ولم يوافق على شروط استخدامه.
ويرى دانيال بي، الأستاذ المشارك في كلية فرانكلين بيرس للقانون بجامعة نيوهامبشير، أن بعض ميزات الذكاء الصوتي الجديدة يمكن أن تندرج، وفق تفسيره، ضمن مفهوم اعتراض الاتصالات في قانون الولاية.
لكنه أوضح أن وجود احتمال قانوني لا يعني بالضرورة أن المستخدم سيواجه ملاحقة فعلية، إذ قد يكون إثبات تشغيل الميزة أو معرفة الجهاز بما التقطه أمرًا صعبًا، فضلًا عن ضرورة النظر في ظروف كل حالة.
الأشخاص المحيطون هم الحلقة الأضعف
تتجاوز المشكلة مسألة المسؤولية القانونية للمستخدم أو الشركة إلى حق الأشخاص الذين يجدون أنفسهم داخل نطاق أجهزة التسجيل دون علمهم.
ويرى مايكل ستوكس، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ونائب رئيس التقنيات الناشئة في شركة Veilant، أن التطور الأهم يتمثل في إمكانية مراقبة الأشخاص دون امتلاكهم الجهاز الذي يجمع البيانات أو حتى معرفتهم بوجوده.
وتشمل الأجهزة القادرة على جمع البيانات اليوم النظارات والساعات وأجهزة تسجيل الملاحظات والمنتجات المنزلية المزودة بميكروفونات وكاميرات وأجهزة استشعار.
لكن الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة إلى هذه المشكلة؛ إذ لا تقتصر قدرته على جمع البيانات، بل يستطيع تحليل كميات كبيرة منها واستخلاص أنماط ومعلومات كان استخراجها يدويًا يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.
وهذا يعني أن البيانات التي تبدو غير مهمة عند جمعها قد تتحول، بعد تحليلها، إلى معلومات تكشف هوية الأشخاص أو مواقعهم أو علاقاتهم أو مضمون محادثاتهم.
محاولات لحماية الأشخاص من التسجيل
ومع تزايد انتشار الأجهزة القابلة للارتداء، ظهرت أيضًا محاولات تقنية لمنح الأشخاص قدرة أكبر على منع تسجيلهم.
وتعمل عايدة باراداري، مؤسسة شركة Deveillance، على تطوير جهاز يسمى Spectre I، يهدف إلى اكتشاف الأجهزة القريبة التي تستخدم الميكروفونات ثم إرسال إشارات مضادة لتشويش الكلام قبل أن تتمكن بعض الأجهزة من معالجته.
وتقول باراداري إن انتشار الأجهزة القابلة للارتداء يفرض الحاجة إلى منح الأفراد قدرًا أكبر من التحكم في كيفية تفاعلهم معها، خصوصًا عندما لا يكونون هم أصحاب الجهاز.
الخصوصية أمام مرحلة جديدة
لا تزال القوانين تواجه صعوبة في مواكبة الطريقة التي تعمل بها أجهزة الذكاء الاصطناعي الحديثة.
فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بما إذا كان جهاز ما يسجل ملفًا صوتيًا، بل بما إذا كان يستمع إلى محادثة ويفهمها ويستخرج منها معلومات ويحوّلها إلى نص أو ملخص.
ومع استمرار انتشار النظارات والساعات والقلائد وأجهزة الملاحظات المزودة بالذكاء الاصطناعي، يصبح التحقق من حدود الموافقة ومسؤولية المستخدم والشركة والأشخاص المحيطين أكثر إلحاحًا.
وبالنسبة للمستخدمين، لا تقتصر المسألة على اختيار جهاز يقدم مزايا ذكية، بل تمتد إلى فهم متى يستمع الجهاز، وما البيانات التي يجمعها، وكيف تتم معالجتها، ومن يمكنه الوصول إليها، وما إذا كان استخدامه في مكان عام أو خلال محادثة خاصة قد يخلق تبعات قانونية.