انتحال هوية صحفية بريطانية يكشف كيف يستغل المحتالون الذكاء الاصطناعي

1 51

اكتشفت الصحفية البريطانية ليندا غيدز أن شخصًا مجهولًا ينتحل اسمها ويتواصل مع مؤسسات إعلامية وعلمية، مقدمًا مقالات وعروضًا صحفية باسمها، في واقعة تكشف جانبًا جديدًا من مخاطر انتحال الهوية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وبدأت القصة عندما أشار شخص على منصة «لينكد إن» إلى غيدز، مدعيًا أنه استمتع بالمشاركة في مقال كتبته لصحيفة «نيويورك بوست» حول تنظيم العمل وفق الساعة البيولوجية. لكن الصحفية لم تكن تعرف الشخص، ولم تجرِ معه مقابلة من الأساس.

وعندما فتحت الرابط، وجدت اسمها منشورًا فوق المقال، لتكتشف لاحقًا أن الواقعة لم تكن حادثًا منفردًا.

محتال ينتحل اسم صحفية ويتواصل مع «نيتشر»

بحسب ما نقلته «العربية Business» عن تقرير لصحيفة «ذا غارديان»، بدأت المؤشرات قبل نحو ثلاثة أسابيع، عندما تواصلت معها صديقة تعمل محررة في مجلة «نيتشر»، وسألتها عما إذا كانت قد عرضت موضوعات على أحد زملائها.

وتبين أن شخصًا كان يتواصل مع محرري «نيتشر» مستخدمًا اسم غيدز وعنوان بريد إلكتروني لا يخصها، مستفيدًا من مقالات سابقة كتبتها الصحفية لجعل عروضه تبدو أكثر مصداقية.

ولم تتوقف المحاولات عند ذلك، إذ اكتشفت غيدز أن الشخص نفسه، أو جهة مرتبطة به، عرضت موضوعًا على مجلة «ساينس»، بينما تواصل لاحقًا محرر في «نيتشر ميديسن» معها للاستفسار عن عروض أخرى قُدمت باسمها.

واقعة أخرى باسم باحثة سابقة

كشفت التحقيقات أيضًا عن حالة انتحال مشابهة طالت كارولين ويليامز، وهي زميلة سابقة لغيدز.

فقد تمكن شخص من التظاهر بأنه ويليامز وإقناع أحد محرري «ساينس» بتكليفها بكتابة مقال ونشره باسمها، مقابل نحو ألف دولار.

وأثناء بحث غيدز في الواقعتين، ظهرت مؤشرات على احتمال وجود صلة بين عنوان البريد الإلكتروني المستخدم لانتحال هويتها وعنوان مرتبط بالشخص الذي انتحل شخصية ويليامز.

ولا يعني هذا الاكتشاف وحده إثبات أن الشخص أو الجهة نفسها تقف وراء جميع الوقائع، لكنه دفع الصحفية إلى التعامل مع الأمر باعتباره عملية انتحال أوسع من مجرد استخدام اسمها في مقال واحد.

اقرأ أيضاً : التوأم الرقمي.. كيف تصنع التكنولوجيا نسخة افتراضية من العالم الحقيقي؟

مقال حُذف بعد مراجعة داخلية

كان من بين نتائج الانتحال نشر مقال في «نيويورك بوست» باسم غيدز، قبل أن تحذف الصحيفة المادة لاحقًا.

ووفقًا لما ذكره متحدث باسم الصحيفة، أجرت المؤسسة مراجعة داخلية للواقعة وأحالت الأمر إلى السلطات المختصة.

وبحسب غيدز، تضمن المقال اقتباسات مأخوذة من موضوعات سابقة نشرتها من دون الإشارة إلى مصادرها، باستثناء مقابلة واحدة أُجريت عبر البريد الإلكتروني.

كما لاحظت الصحفية أن عروضًا صحفية أخرى قُدمت باسمها تحمل مؤشرات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعدادها.

وترى غيدز أن الضرر لا يتعلق فقط بأي عائد مالي قد يحصل عليه منتحل شخصيتها، بل يمتد إلى سمعتها وعلاقاتها المهنية التي بنتها على مدى سنوات.

لماذا ينتحل شخص هوية صحفي؟

لم يتضح حتى الآن الدافع وراء هذه العملية أو هوية المسؤول عنها.

وطرحت غيدز عدة احتمالات، من بينها أن يكون شخص يعمل في مجال الصحافة المستقلة ويحاول زيادة دخله، أو متخصصًا في العلاقات العامة يسعى إلى الحصول على تغطية إعلامية لأحد العملاء، أو شخصًا يريد اختبار قدرة المؤسسات الإعلامية على اكتشاف عمليات الانتحال.

كما لم تستبعد احتمال وجود دافع شخصي، لكن لا توجد في الوقائع المعروضة أدلة حاسمة تثبت أيًا من هذه الفرضيات.

ويرى الدكتور سايمون ميلر، مدير السياسات والاستراتيجية والاتصالات في خدمة الوقاية من الاحتيال البريطانية «سيفاس»، أن الواقعة غير معتادة؛ إذ تميل عمليات الاحتيال عادة إلى استهداف عدد كبير من الضحايا باستخدام أساليب آلية وقابلة للتوسع.

الذكاء الاصطناعي يجعل انتحال الهوية أكثر إقناعًا

تتجاوز مخاطر انتحال الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي مجرد استخدام اسم شخص آخر.

وبحسب جيمي كوليير، الباحث في مجال التهديدات لدى غوغل، أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي للمحتالين إعداد سير ذاتية ورسائل تقديم وعروض مهنية أكثر إقناعًا، إلى جانب إمكانات إنشاء صور ومقاطع فيديو مزيفة واستنساخ الأصوات.

وتزداد المشكلة تعقيدًا في المجالات التي تعتمد على السمعة المهنية، مثل الصحافة والأبحاث العلمية، إذ يمكن لانتحال اسم صحفي أو باحث معروف أن يمنح المادة المزيفة مستوى من المصداقية يصعب اكتشافه من خلال القراءة وحدها.

صحفيون وباحثون وكتّاب ضحايا لعمليات مشابهة

لا تبدو واقعة غيدز معزولة عن موجة أوسع من حالات انتحال الهوية المهنية.

ففي أبريل، اكتشف البروفيسور إريك توبول، الطبيب والباحث في مجال الطب الرقمي، أن اسمه أُدرج في ورقة بحثية لم يكن يعلم بوجودها.

كما ظهرت حالات نُشرت فيها كتب مزيفة بأسماء مؤلفين حقيقيين، بينما اكتشف باحثون آخرون إدراج أسمائهم في أوراق علمية أو هيئات تحرير لم يكونوا جزءًا منها.

وحذرت جمعيات مهنية للكتّاب أيضًا من محاولات انتحال صفة وكلاء أدبيين أو ناشرين.

المؤسسات الإعلامية تشدد إجراءات التحقق

أدت هذه المخاطر إلى دفع بعض المؤسسات الإعلامية والعلمية نحو تعزيز إجراءات التحقق من هوية المساهمين.

وفي مجلة «ساينس»، بات المحررون يستخدمون أدوات للمساعدة في فحص العروض والمسودات بحثًا عن مؤشرات على إنتاجها بالذكاء الاصطناعي، كما يطلبون إجراء مكالمات فيديو مع بعض الكتاب الجدد.

أما «نيتشر»، فأصبح محرروها أكثر حذرًا عند التعامل مع العروض والمواد المقدمة للنشر، خصوصًا عندما تظهر مؤشرات غير معتادة تتعلق بهوية صاحب العرض أو مصدر المعلومات.

ولا تقتصر التهديدات على انتحال الأسماء أو المقالات، إذ وثقت مجموعة استخبارات التهديدات التابعة لغوغل حالات استخدم فيها قراصنة مرتبطون بكوريا الشمالية تقنيات التزييف العميق في الوقت الفعلي لخداع مسؤولين تنفيذيين خلال اجتماعات عبر «زووم».

وفي إحدى هذه الحالات، أُقنع الضحايا بتنزيل أداة قيل إنها مخصصة لاستكشاف الأخطاء وإصلاحها، لكنها كانت مصممة لسرقة بيانات تسجيل الدخول ومحافظ العملات الرقمية.

كيف يمكن الحد من مخاطر انتحال الهوية؟

تزداد أهمية التحقق المستقل كلما أصبح إنتاج المحتوى المزيف أكثر سهولة.

ومن الإجراءات التي تساعد في الحد من هذه المخاطر:

  • التحقق من هوية المرسل عبر وسيلة اتصال معروفة مسبقًا، بدل الاعتماد على البيانات الموجودة في الرسالة المشبوهة.
  • استخدام أكثر من وسيلة للتحقق من هوية الكاتب أو الباحث قبل نشر المادة.
  • التواصل مباشرة مع الشخص المعني عند ظهور عرض أو طلب غير متوقع باسمه.
  • إبلاغ الزملاء والمؤسسات المهنية عند اكتشاف محاولة انتحال.
  • مراقبة ظهور الاسم والأعمال المنشورة في مواقع أو منصات غير معتادة.

وفي المملكة المتحدة، قد تتحول بعض حالات انتحال الهوية للحصول على عمل مدفوع الأجر إلى قضية احتيال، كما قد توجد في بعض الحالات مسارات مدنية مرتبطة باستغلال السمعة التجارية أو المهنية للآخرين. ويعتمد ذلك على ملابسات كل حالة والإطار القانوني المطبق.

ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إنتاج نصوص وصور وأصوات شديدة الإقناع، لم يعد الاعتماد على المظهر الاحترافي للمحتوى كافيًا للتحقق من مصدره، ما يجعل التأكد من هوية الأشخاص والمعلومات عبر قنوات مستقلة جزءًا أساسيًا من العمل الصحفي والعلمي.

🔗 رابط مختصر للخبر
✓ تم نسخ الرابط بنجاح

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض موافقتك على استخدامها، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. موافقة اقرأ المزيد