قبل 111 عامًا.. رادوي ليوتوفاتش والرجل الذي أسقط طائرة بمدفع من الأرض

0 47

في 30 سبتمبر 1915، وخلال الحرب العالمية الأولى، شهدت مدينة كراغوييفاتش الصربية واقعة أصبحت علامة فارقة في تاريخ الدفاع الجوي. فقد تمكن الجندي الصربي رادوي ليوتوفاتش من إصابة طائرة عسكرية في الجو باستخدام قذيفة أطلقها من مدفع ميداني، في واقعة تُعد أول إسقاط موثق لطائرة عسكرية بنيران مدفع من الأرض.

لم يكن ليوتوفاتش يستخدم سلاحًا حديثًا صُمم خصيصًا لمواجهة الطائرات، بل اعتمد على خبرته كمدفعجي ومدفع ميداني استُخدم بعد تعديله، في وقت كانت فيه تقنيات الحرب الجوية لا تزال في بداياتها.

عندما دخلت الطائرات ساحة الحرب

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، لم تكن الطائرات قد تحولت بعد إلى أسلحة هجومية بالشكل المعروف لاحقًا. كانت تستخدم بدرجة كبيرة في الاستطلاع ومراقبة تحركات القوات وتحديد مواقع الأهداف التي يمكن للمدفعية استهدافها.

لكن الاستخدام العسكري للطائرات تطور سريعًا مع استمرار الحرب. وبدأت الطائرات تدخل تدريجيًا في عمليات القصف، كما ظهرت المواجهات الجوية بين الطيارين، وجرى تزويد بعض الطائرات بالرشاشات والقنابل.

هذا التطور فرض مشكلة جديدة على الجيوش: كيف يمكن حماية المدن والمواقع العسكرية من الطائرات القادمة من السماء؟

ولهذا بدأت وحدات المدفعية في تجربة وسائل مختلفة لإطلاق النار على الطائرات، قبل أن تظهر لاحقًا منظومات أكثر تخصصًا للدفاع الجوي.

رادوي ليوتوفاتش.. مدفعجي في الجيش الصربي

كان رادوي ليوتوفاتش، المولود عام 1887، جنديًا ومدفعجيًا صربيًا شارك في حرب البلقان الأولى قبل الحرب العالمية الأولى.

وخلال الحرب العالمية الأولى، خدم ضمن القوات التي تولت الدفاع عن مدينة كراغوييفاتش، وهي مدينة ذات أهمية عسكرية وصناعية في صربيا.

وفي 30 سبتمبر 1915، دوت صفارات الإنذار مع اقتراب ثلاث طائرات معادية من المدينة.

بدأت الطائرات في إلقاء القنابل على كراغوييفاتش، واستهدفت مناطق ومنشآت مختلفة، بينما حاول الجنود الموجودون على الأرض التصدي لها بالأسلحة المتاحة في ذلك الوقت.

القذيفة التي غيرت تاريخ الدفاع الجوي

وسط الهجوم، تولى ليوتوفاتش التعامل مع الطائرات باستخدام مدفع ميداني من أصل تركي كان قد استولى عليه الجيش الصربي خلال حرب البلقان عام 1912، ثم جرى تهيئته للاستخدام ضد أهداف جوية.

راقب ليوتوفاتش الطائرات وحاول تقدير مسارها وارتفاعها، ثم أطلق قذيفة باتجاه إحداها.

أصابت القذيفة الطائرة، التي فقدت قدرتها على الطيران وسقطت في المدينة، لتسجل الواقعة باعتبارها أول حالة موثقة لإسقاط طائرة عسكرية باستخدام نيران مدفعية من الأرض.

وتشير المصادر إلى أن الطائرة كانت تحمل طاقمًا من شخصين، لقيا حتفهما في الحادث.

اقرأ أيضاً: قبل 77 عامًا.. كيف أعلن ماو تسي تونغ تأسيس جمهورية الصين الشعبية؟

لم يكن سلاحًا مضادًا للطائرات بالمعنى الحديث

صورة شبيه للمدفع

تكمن أهمية القصة في أن ليوتوفاتش لم يكن يمتلك منظومة دفاع جوي متطورة كما نعرفها اليوم.

فالمدفع الذي استخدمه لم يُصمم أساسًا كسلاح مضاد للطائرات، وإنما كان مدفعًا ميدانيًا جرى تكييفه لاستخدامه ضد هدف يتحرك في السماء.

وهذا يجعل الواقعة مثالًا مبكرًا على كيفية تعامل الجيوش مع التحدي الجديد الذي فرضته الطائرات على ساحات القتال.

وبعد هذه الحادثة بسنوات، تطورت المدفعية المضادة للطائرات بصورة كبيرة، وأصبحت جزءًا أساسيًا من أنظمة الدفاع عن المدن والقواعد والمنشآت العسكرية.

تكريم ليوتوفاتش بعد إسقاط الطائرة

بعد نجاحه في إسقاط الطائرة، حظي ليوتوفاتش بتكريم عسكري، وحصل على وسام نجمة كارادوردي بالسيوف، كما واصل خدمته العسكرية خلال الحرب.

وتذكر المصادر الصربية أنه تقدم في الرتب العسكرية خلال سنوات خدمته، وشارك لاحقًا في جبهات أخرى من الحرب.

وبذلك لم تقتصر أهمية الواقعة على إسقاط طائرة واحدة، بل ارتبط اسم ليوتوفاتش ببداية مرحلة جديدة في تاريخ مواجهة الطائرات من الأرض.

ماذا حدث له بعد الحرب؟

بعد انتهاء الحرب وتسريحه من الجيش، ابتعد ليوتوفاتش عن الحياة العسكرية واتجه إلى العمل المدني.

وافتتح متجرًا للسلع المتنوعة في مدينة ترستينيك، حيث عاش بعيدًا عن ساحات القتال حتى وفاته في 25 نوفمبر 1968 عن عمر ناهز 81 عامًا.

ورغم مرور عقود على الواقعة، ظل اسمه حاضرًا في التاريخ العسكري الصربي، وأصبح يوم 30 سبتمبر مرتبطًا بتقاليد وحدات المدفعية المضادة للطائرات في صربيا.

لماذا كانت هذه الواقعة مهمة؟

قبل أكثر من قرن، كانت الطائرات تمثل تقنية عسكرية حديثة نسبيًا، ولم تكن الجيوش قد طورت بعد أنظمة دفاع جوي متخصصة بالمعنى المعروف حاليًا.

ولهذا شكل إسقاط ليوتوفاتش لطائرة من الأرض باستخدام مدفع نقطة مبكرة في تاريخ الحرب المضادة للطائرات. فمنذ ذلك النوع من المحاولات البدائية، تطورت المدفعية المضادة للطائرات لاحقًا إلى منظومات متخصصة تعتمد على أجهزة الرصد والتوجيه والرادار، وصولًا إلى الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي الحديثة.

وتبقى قصة رادوي ليوتوفاتش مثالًا على مرحلة كانت فيها الجيوش تحاول للمرة الأولى إيجاد حلول لمشكلة فرضتها الطائرات على ساحات الحرب، قبل أن يتحول الدفاع الجوي إلى علم عسكري متكامل.

🔗 رابط مختصر للخبر
✓ تم نسخ الرابط بنجاح