قبل 77 عامًا.. كيف أعلن ماو تسي تونغ تأسيس جمهورية الصين الشعبية؟
في الأول من أكتوبر 1949، وقف ماو تسي تونغ في قلب بكين ليعلن تأسيس جمهورية الصين الشعبية، في لحظة أنهت عمليًا سنوات من الحرب الأهلية بين الشيوعيين والقوميين، ورسخت سيطرة الحزب الشيوعي على معظم البر الرئيسي الصيني.
ومنذ ذلك اليوم أصبح الأول من أكتوبر العيد الوطني للصين، فيما تحولت ساحة تيانانمن إلى المكان المرتبط رمزيًا بإعلان قيام الدولة الجديدة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن أكثر من مليون شخص شاركوا في الاحتفالات التي أقيمت في الساحة بهذه المناسبة.
لكن إعلان الجمهورية لم يكن حدثًا منفصلًا عن تاريخ طويل من الصراع؛ فقد سبقه أكثر من عقدين من المواجهة بين الحزب الشيوعي الصيني وحزب الكومينتانغ، تخللتهما الحرب ضد اليابان، قبل أن يستأنف الطرفان الحرب الأهلية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
الصين قبل إعلان الجمهورية الجديدة
كانت الصين في النصف الأول من القرن العشرين تعيش مرحلة سياسية وعسكرية مضطربة. وبدأ الصراع المسلح بين الشيوعيين والقوميين في عشرينيات القرن الماضي، قبل أن يتطور إلى حرب أهلية واسعة.
برز ماو تسي تونغ تدريجيًا كأحد أبرز قادة الشيوعيين، بينما كان تشيانغ كاي شيك قائدًا رئيسيًا للجانب القومي.
ومن أبرز محطات الصراع المسيرة الطويلة التي نفذها الشيوعيون خلال ثلاثينيات القرن العشرين، عندما انسحبت قواتهم لمسافات شاسعة تحت ضغط القوات القومية. وقد لعبت المسيرة دورًا مهمًا في تعزيز موقع ماو داخل الحركة الشيوعية. وتشير التقديرات التاريخية إلى أن المسيرة امتدت لأكثر من 4 آلاف ميل، ولم يصل إلى نهايتها سوى جزء صغير من المشاركين فيها.
الغزو الياباني أوقف الحرب الأهلية مؤقتًا
مع توسع اليابان في الصين، تغيرت طبيعة الصراع الداخلي مؤقتًا.
ففي عام 1937 بدأ الغزو الياباني واسع النطاق، ما أدى إلى تعاون مرحلي بين الشيوعيين والقوميين لمواجهة القوات اليابانية.
واستمر هذا التعاون طوال سنوات الحرب بدرجات متفاوتة، قبل أن يعود الصراع بين الطرفين بعد هزيمة اليابان عام 1945.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، استؤنفت الحرب الأهلية بصورة واسعة عام 1946، وبدأ ميزان القوى يميل تدريجيًا لصالح الشيوعيين.
اقرأ أيضاً: إعدامات فاشلة هزت تاريخ أميركا.. ويلكيرسون وكيملر في مواجهة الموت
الشيوعيون يسيطرون على البر الرئيسي
خلال السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية، حققت قوات ماو تقدمًا عسكريًا متسارعًا.
وبحلول عام 1949، تمكن الشيوعيون من السيطرة على مناطق واسعة من البر الرئيسي الصيني، بما فيها مدن رئيسية، بينما تراجعت قوات الحكومة القومية.
وفي نهاية المطاف، انتقلت قيادة الجمهورية الصينية القومية إلى تايوان، في حين أعلن الشيوعيون قيام دولة جديدة في البر الرئيسي. وتصف المصادر التاريخية هذا التطور بأنه نهاية المرحلة الرئيسية من الحرب الأهلية التي دارت بين الطرفين.
وهنا يجب التفريق بين تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 وبين استمرار وجود حكومة جمهورية الصين في تايوان؛ فالتطورات التي حدثت في ذلك العام أدت إلى انقسام سياسي استمر تأثيره لعقود.
الأول من أكتوبر 1949.. لحظة الإعلان
في الأول من أكتوبر 1949، احتشدت جماهير كبيرة في ساحة تيانانمن في بكين للمشاركة في مراسم إعلان الدولة الجديدة.
وفي المناسبة، أعلن ماو تسي تونغ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وأصبح رئيسًا للحكومة الشعبية المركزية. كما أُعلنت قيادة جديدة للدولة، بينما تولى تشو إن لاي منصب رئيس الحكومة، وفق المصادر التاريخية.
وكان الإعلان تتويجًا للانتصار العسكري والسياسي للشيوعيين في الحرب الأهلية، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الصين الحديث.
وأصبحت المناسبة لاحقًا أساس الاحتفال السنوي بـاليوم الوطني الصيني في الأول من أكتوبر.
ماذا حدث في ساحة تيانانمن؟
لم يكن إعلان الجمهورية مجرد خطاب سياسي، بل صاحبه احتفال جماهيري واسع.
وتذكر المصادر التاريخية أن ساحة تيانانمن استضافت احتفالًا ضخمًا في الأول من أكتوبر، شارك فيه عدد هائل من المواطنين، وتحول لاحقًا إلى مناسبة وطنية سنوية.
وشهدت المناسبة أيضًا مراسم رفع العلم وعروضًا عسكرية، في مشهد أراد القادة الجدد من خلاله إظهار قيام سلطة مركزية جديدة بعد سنوات طويلة من الحرب.
وكان اختيار تيانانمن للمناسبة ذا دلالة رمزية، إذ أصبحت الساحة منذ ذلك الوقت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتاريخ جمهورية الصين الشعبية.
ماذا حدث للحكومة القومية؟
بعد انتصار الشيوعيين على البر الرئيسي، انتقلت حكومة جمهورية الصين بقيادة تشيانغ كاي شيك إلى تايوان، مع عدد كبير من المسؤولين والقوات والمؤسسات.
وبذلك أصبحت هناك سلطتان سياسيتان تدعي كل منهما تمثيل الصين، وهو الوضع الذي شكل لاحقًا إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في العلاقات الدولية.
في السنوات التالية، دعمت الولايات المتحدة حكومة جمهورية الصين في تايوان، بينما أقامت بكين علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفييتي في بداية عهد الجمهورية الشعبية. وقد أدى ذلك إلى وضع الصين في قلب التنافس الدولي خلال الحرب الباردة.
الاتحاد السوفييتي اعترف سريعًا بالدولة الجديدة
بعد إعلان جمهورية الصين الشعبية، بدأت الدول الأخرى في اتخاذ مواقف دبلوماسية تجاه الحكومة الجديدة.
وكان الاتحاد السوفييتي من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية، فيما تبعته دول اشتراكية أخرى.
لكن الاعتراف الدولي لم يكن موحدًا؛ إذ استمرت دول غربية في الاعتراف بحكومة جمهورية الصين الموجودة في تايوان بدلًا من حكومة بكين لفترة طويلة.
وهذا الخلاف لم يكن مجرد مسألة دبلوماسية، بل ارتبط أيضًا بصراع الحرب الباردة وبالحرب الكورية التي بدأت عام 1950، والتي دخلت فيها القوات الصينية في مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية وقوات الأمم المتحدة.
لماذا تأخر الاعتراف الأميركي ببكين؟
لم تعترف الولايات المتحدة رسميًا بجمهورية الصين الشعبية عام 1949، واستمرت في دعم حكومة جمهورية الصين في تايوان خلال العقود التالية.
لكن العلاقات بين واشنطن وبكين بدأت تشهد تحولًا مهمًا في سبعينيات القرن الماضي، خصوصًا بعد زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972.
وفي عهد الرئيس جيمي كارتر، أعلنت الولايات المتحدة الاعتراف الدبلوماسي الرسمي بجمهورية الصين الشعبية، ودخل الاعتراف حيز التنفيذ في 1 يناير 1979. ويؤكد مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأميركية أن إدارة كارتر تضمنت مرحلة التحول الدبلوماسي في العلاقات الأميركية الصينية ضمن وثائق سياستها الخارجية.
وهكذا يفصل ثلاثون عامًا تقريبًا بين إعلان الجمهورية الشعبية في بكين وبين اعتراف واشنطن الرسمي بها.
من إعلان الجمهورية إلى قوة عالمية
عندما أُعلنت جمهورية الصين الشعبية عام 1949، كانت البلاد خارجة من عقود من الحرب والصراع.
أما اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، أصبحت الصين إحدى القوى الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية الرئيسية في العالم.
لكن مسار التحول لم يكن بسيطًا أو مباشرًا؛ فقد مرت البلاد خلال العقود التالية بتحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية عميقة، بدأت بمرحلة ماو، ثم شهدت تغيرات كبيرة بعد وفاته عام 1976، وصولًا إلى الإصلاحات الاقتصادية التي ارتبطت بصورة خاصة بصعود دينغ شياو بينغ في أواخر السبعينيات.
وبالتالي فإن إعلان الأول من أكتوبر 1949 كان نقطة بداية لدولة جديدة، لكنه لم يكن نهاية التحولات التي شهدتها الصين.
لماذا يحتفل الصينيون بالأول من أكتوبر؟
يمثل الأول من أكتوبر اليوم الوطني لجمهورية الصين الشعبية، وهو تاريخ إعلان تأسيس الدولة رسميًا.
وتقام في هذه المناسبة فعاليات واحتفالات في أنحاء الصين، بينما تحظى ساحة تيانانمن بمكانة رمزية خاصة باعتبارها موقع الإعلان التاريخي.
ويعود استمرار الاحتفال بهذا التاريخ إلى ارتباطه مباشرة باللحظة التي أعلن فيها ماو تسي تونغ قيام الجمهورية الشعبية عام 1949.
نقطة تحول غيّرت تاريخ الصين والعالم
لم يكن إعلان جمهورية الصين الشعبية مجرد تغيير في اسم الحكومة الصينية، بل كان نتيجة مباشرة لانتصار الشيوعيين في حرب أهلية طويلة، وأدى إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية للصين وآسيا.
فمنذ الأول من أكتوبر 1949، أصبحت بكين مركز الدولة التي حكمت معظم البر الرئيسي الصيني، بينما استقرت الحكومة القومية في تايوان، وبدأ فصل جديد من العلاقات الدولية بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
وبعد 77 عامًا من ذلك الإعلان، لا يزال الأول من أكتوبر واحدًا من أهم التواريخ في التاريخ الحديث للصين، ليس فقط باعتباره يوم تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وإنما باعتباره نقطة انطلاق لمرحلة أعادت تشكيل موقع الصين في النظام الدولي.