لماذا يتزايد اهتمام العلماء بإبطاء الشيخوخة وإطالة العمر الصحي؟
لم تعد الشيخوخة تُدرس باعتبارها مجرد نتيجة طبيعية لمرور السنوات، بل أصبحت موضوعًا بحثيًا يحاول العلماء من خلاله فهم التغيرات البيولوجية التي تحدث داخل الجسم، وما إذا كان من الممكن التأثير فيها للحد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.
ويركز الباحثون حاليًا على مفهوم العمر الصحي، أي عدد السنوات التي يمكن للإنسان أن يعيشها بصحة جيدة، وليس مجرد زيادة عدد سنوات الحياة.
هل يمكن علاج الشيخوخة؟
يرى بعض الباحثين أن الشيخوخة نفسها قد تصبح مستقبلًا هدفًا للتدخل الطبي، بدلًا من انتظار ظهور أمراض مثل السكري وأمراض القلب والسرطان ثم التعامل مع كل مرض بشكل منفصل.
وقال نير بارزيلاي، مدير معهد أبحاث الشيخوخة في كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك، إن الشيخوخة تمتلك بيولوجيا خاصة بها، وهذه العمليات البيولوجية يمكن أن تسهم في ظهور العديد من الأمراض.
لكن هذه الفكرة لم تُثبت بعد في التجارب السريرية على البشر. وأوضح دانيال بيلسكي، الأستاذ المشارك في علم الأوبئة بجامعة كولومبيا، أن الأدلة الحالية تشير إلى إمكانية التأثير في بيولوجيا الشيخوخة، إلا أن إثبات قدرتها على إطالة العمر الصحي لدى البشر لا يزال بحاجة إلى تجارب سريرية.
وأظهرت تجارب مخبرية على كائنات مثل الديدان الأسطوانية والفئران أن بعض التدخلات، من بينها ممارسة الرياضة وتقييد السعرات الحرارية وبعض الأدوية، يمكن أن تؤثر في التغيرات الخلوية المرتبطة بالشيخوخة وتساعد على إطالة العمر لدى الحيوانات.
لكن نقل هذه النتائج إلى البشر ما زال يمثل تحديًا علميًا كبيرًا.
اقرأ أيضاً: فيتامين B3 في مواجهة الورم الأرومي الدبقي.. نتائج أولية تفتح بابًا جديدًا للعلاج
كيف يقيس العلماء الشيخوخة البيولوجية؟
لا يعتمد الباحثون فقط على العمر الزمني، أي عدد السنوات التي عاشها الإنسان، بل يحاولون معرفة العمر البيولوجي للجسم من خلال مؤشرات يمكن قياسها.
ومن المجالات التي تحظى باهتمام الباحثين علم التخلّق أو الإبيجينيتكس، الذي يدرس التغيرات التي تؤثر في طريقة تنظيم الجينات دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.
ومن خلال تحليل علامات كيميائية، مثل مجموعات الميثيل المرتبطة بالحمض النووي، يمكن للباحثين دراسة بعض التغيرات التي تحدث مع مرور الوقت داخل الجسم.
كما يجمع الباحثون أنواعًا متعددة من البيانات البيولوجية، تشمل البروتينات والمستقلبات والعلامات فوق الجينية الموجودة في خلايا الدم البيضاء، بهدف البحث عن مؤشرات يمكن أن تكشف تأثير التدخلات المختلفة في عملية الشيخوخة.
لماذا يصعب إثبات نجاح علاجات إطالة العمر؟
تتمثل إحدى أكبر العقبات أمام أبحاث إطالة العمر في أن النتائج الصحية التي يريد العلماء قياسها قد تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تظهر.
فعلى سبيل المثال، إذا بدأ تدخل طبي في سن الأربعين أو الخمسين بهدف الوقاية من الأمراض المزمنة، فقد يحتاج الباحثون إلى متابعة المشاركين لعشرين أو ثلاثين عامًا لمعرفة ما إذا كان التدخل نجح بالفعل.
ولهذا يبحث العلماء عن مؤشرات بيولوجية يمكنها التنبؤ بالنتائج الصحية المستقبلية.
وفي حال أثبت أحد هذه المؤشرات قدرته على التنبؤ بشكل موثوق بتأثير تدخل معين في الوقاية من الأمراض أو زيادة سنوات الحياة الصحية، فقد يصبح من الممكن استخدامه كنقطة نهاية بديلة في التجارب السريرية بدلًا من انتظار النتائج الصحية لعقود.
انتشار عيادات إطالة العمر
مع تطور أبحاث الشيخوخة، بدأت تظهر عيادات متخصصة في إطالة العمر الصحي، تقدم تقييمات طبية وفحوصًا إضافية تهدف إلى تكوين صورة أكثر تفصيلًا عن الحالة الصحية لكل شخص.
وفي الولايات المتحدة، أطلقت مايو كلينك عيادة متخصصة في إطالة العمر الصحي عام 2023، بينما أطلقت منظومة صحية جامعية في سنغافورة برنامجًا مشابهًا يجمع بين التقييمات الطبية والتدخلات المرتبطة بنمط الحياة.
ومع توسع هذا المجال، يبرز أيضًا النقاش حول الحاجة إلى تنظيم طبي واضح لهذه الخدمات، خصوصًا مع اختلاف مستوى الأدلة العلمية المتاحة حول بعض الأساليب المستخدمة في مجال إطالة العمر.
وفي أبوظبي، أطلقت دائرة الصحة في أكتوبر 2024 إطارًا لترخيص مراكز طب إطالة العمر الصحي، يتضمن فئة سريرية ومعايير محددة للمنشآت العاملة في هذا المجال.
هل يمكن إبطاء الشيخوخة دون علاجات متقدمة؟
رغم الاهتمام المتزايد بالأدوية والتقنيات الحديثة، يؤكد الباحثون أن بعض العوامل المرتبطة بنمط الحياة تظل من الوسائل المتاحة للحفاظ على الصحة مع التقدم في العمر.
ومن بين هذه العوامل النوم الجيد، وممارسة الرياضة، والنظام الغذائي، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية.
ولا تعني هذه العوامل إيقاف الشيخوخة أو عكسها، لكنها ترتبط بالحفاظ على الصحة وتقليل مخاطر عدد من المشكلات الصحية، وفقًا لما أشار إليه الباحثون المشاركون في هذا المجال.
بين الأمل العلمي والواقع
تفتح أبحاث الشيخوخة الباب أمام احتمال تغيير طريقة تعامل الطب مع الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، لكن الفكرة لا تزال في مرحلة البحث العلمي بالنسبة إلى البشر.
فالنتائج التي ظهرت في المختبر وعلى الحيوانات لا تكفي وحدها لإثبات أن التدخل في بيولوجيا الشيخوخة سيؤدي إلى إطالة العمر الصحي للإنسان. ولذلك تظل الحاجة إلى تجارب سريرية طويلة الأمد أمرًا أساسيًا قبل اعتماد أي علاجات أو تقنيات جديدة على نطاق واسع.