الإنسيت.. نبات إثيوبي قد يساهم في مواجهة الجوع وتغير المناخ
يُعرف نبات الإنسيت في إثيوبيا بأسماء لافتة مثل “شجرة مكافحة الجوع” و”محصول العجائب”، لكنه لا يزال غير معروف على نطاق واسع خارج البلاد. ويعتمد عليه أكثر من 20 مليون شخص كمصدر غذائي أساسي، بينما تشير دراسات إلى أن نطاق زراعته يمكن أن يتوسع بصورة كبيرة في مناطق أخرى من إفريقيا.
وتزداد أهمية هذا النبات مع تصاعد المخاوف بشأن الأمن الغذائي وتغير المناخ، خصوصًا أن الإنسيت يتمتع بقدرة على تحمل الجفاف وبعض الأمراض، كما يمكنه إنتاج الغذاء لسنوات بدلًا من الاعتماد على دورة زراعية واحدة.

ما هو نبات الإنسيت؟
رغم أن الإنسيت يبدو للوهلة الأولى شبيهًا بشجرة الموز، فإنه ليس شجرة بالمعنى العلمي، بل نبات عشبي عملاق ينتمي إلى الفصيلة نفسها التي ينتمي إليها الموز.
وقد يصل ارتفاع النبات إلى نحو 10 أمتار، بينما يمكن أن تمتد أوراقه إلى حوالي 5 أمتار. أما ما يبدو كجذع خشبي، فهو في الحقيقة مجموعة من أغلفة الأوراق المتراكبة بإحكام.
ينمو الإنسيت بريًا في مناطق مختلفة من إفريقيا، تمتد من السودان شمالًا إلى موزمبيق جنوبًا، لكن استخدامه كمحصول غذائي يتركز بصورة كبيرة في إثيوبيا، وخصوصًا في المرتفعات الجنوبية الغربية على ارتفاعات تتراوح بين 1500 و3000 متر فوق سطح البحر.
كيف يتحول الإنسيت إلى غذاء؟
لا يعتمد السكان الذين يزرعون الإنسيت على ثماره للحصول على الغذاء.
وعلى عكس الموز، فإن ثمار الإنسيت تحتوي على بذور سوداء صلبة، ولا تضم كمية كبيرة من اللب الصالح للأكل، ولذلك يوصف أحيانًا بأنه “الموز الكاذب”.
وتكمن القيمة الغذائية للنبات في أجزاء أخرى منه، خصوصًا الساق الكاذبة والكورمة الموجودة أسفل سطح الأرض.
تُسحق هذه الأجزاء وتُخلط بمواد تساعد على التخمير، ثم توضع في حفر تحت الأرض لفترات طويلة قد تمتد في بعض الحالات إلى عامين.
وبعد انتهاء عملية التخمير، يمكن استخدام الناتج في إعداد أطعمة إثيوبية تقليدية، من بينها الكوتشو، وهو طعام يشبه الخبز، إضافة إلى منتج نشوي يعرف باسم البولا يمكن تجفيفه وتحويله إلى مسحوق يستخدم في إعداد العصيدة أو كرات العجين.
وتوضح هذه الطريقة أن الاستفادة من الإنسيت لا تعتمد فقط على زراعته، وإنما تحتاج أيضًا إلى معرفة محلية متوارثة بكيفية حصاده ومعالجته وتحويله إلى غذاء.

اقرأ أيضاً: الجوز صباحًا أم مساءً؟ ما يقوله العلم عن أفضل وقت لتناوله
لماذا يوصف الإنسيت بأنه “شجرة مكافحة الجوع”؟
تتمثل إحدى أهم مزايا الإنسيت في إنتاجيته وقدرته على الاستمرار في توفير الغذاء.
وبحسب المعلومات الواردة في الدراسة التي تناولت إمكانات المحصول، يمكن لنحو 60 نباتًا من الإنسيت توفير الغذاء لأسرة مكونة من خمسة أشخاص لمدة عام.
كما أن الإنسيت محصول معمر، ما يعني أنه يستطيع الاستمرار في النمو والإنتاج لأكثر من عامين دون الحاجة إلى إعادة زراعته بالطريقة المعتادة في محاصيل موسمية مثل القمح والأرز والذرة.
وهذه الخاصية تمنحه أهمية خاصة في المناطق التي تواجه ظروفًا مناخية صعبة أو اضطرابات في الإنتاج الزراعي.
هل يستطيع الإنسيت مقاومة تغير المناخ؟
يرى باحثون أن قدرة الإنسيت على تحمل مجموعة متنوعة من الظروف البيئية تجعله محصولًا يستحق المزيد من الاهتمام، خصوصًا مع تغير أنماط الطقس وارتفاع المخاطر التي تواجه الزراعة التقليدية.
وتشير دراسة نمذجة نُشرت عام 2021 وشارك في إعدادها الباحث البريطاني جيمس بوريل إلى إمكانية توسيع المناطق المناسبة لزراعة الإنسيت بما يصل إلى 12 ضعف نطاقه الحالي.
وبحسب تقديرات الدراسة، يمكن لهذا التوسع أن يساهم في توفير الغذاء لما يصل إلى 111.5 مليون شخص إضافي في إفريقيا جنوب الصحراء، وهي منطقة تواجه تحديات مرتبطة بانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.
لكن هذه الأرقام تمثل تقديرات مبنية على نمذجة للمناطق المناسبة للزراعة، ولا تعني أن المحصول سيصل تلقائيًا إلى هذه القدرة الإنتاجية على أرض الواقع.

لماذا لا يُزرع الإنسيت على نطاق واسع خارج إثيوبيا؟
رغم أن النبات البري يوجد في عدد من الدول الإفريقية، فإن زراعته كمحصول غذائي تتركز بصورة كبيرة في إثيوبيا.
ويرتبط ذلك بعدة عوامل، من بينها التاريخ والثقافة والمعرفة الزراعية المحلية.
كما تفرض إثيوبيا قيودًا على نقل المواد النباتية إلى الخارج، في إطار جهودها لحماية مواردها الوراثية ومنع استغلالها أو ما يُعرف بالقرصنة البيولوجية.
ولا تكفي زراعة النبات وحدها للاستفادة منه غذائيًا؛ فعملية المعالجة والتخمير تحتاج إلى معرفة متخصصة تراكمت لدى المجتمعات الإثيوبية على مدى قرون.
كذلك، فإن الأصناف البرية الموجودة في دول أخرى لا تكون بالضرورة مناسبة لإنتاج الغذاء بنفس كفاءة الأصناف التي طورتها المجتمعات الإثيوبية.
تحديات أمام انتشار “محصول العجائب”
رغم الإمكانات الكبيرة للإنسيت، فإن تحويله إلى محصول عالمي يواجه عدة عقبات.
من أبرزها صعوبة الحصاد والمعالجة، وهي أعمال تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا، وتشارك النساء بصورة كبيرة في تنفيذها داخل المجتمعات التي تزرع النبات.
وتعمل جامعات إثيوبية على تطوير وسائل ميكانيكية يمكن أن تجعل هذه العمليات أسهل، إلا أن هذه الحلول لم تنتشر على نطاق واسع حتى الآن.
كما أن بعض الأطعمة المصنوعة من الإنسيت، مثل الكوتشو، تمتلك مذاقًا وخصائص غذائية مختلفة عن الأغذية الأكثر انتشارًا، وهو ما قد يجعل تقبلها يحتاج إلى وقت في المجتمعات التي لا تعرفها.
المفارقة: زراعة الإنسيت تتراجع في إثيوبيا
رغم الاهتمام الدولي المتزايد بالنبات، فإن زراعته تواجه ضغوطًا داخل موطنه الأساسي.
وأظهرت دراسة أجريت عام 2025 وشملت أكثر من 400 مزارع في جنوب غرب إثيوبيا أن نحو 60% من المشاركين قالوا إن المساحة المخصصة لزراعة الإنسيت تراجعت خلال العقود الماضية.
كما انخفض استهلاك النبات داخل بعض الأسر، بالتزامن مع اتجاه مزارعين إلى زراعة محاصيل تجارية أخرى مثل القمح والذرة والبطاطا، والتي قد توفر عائدًا ماليًا أكثر جاذبية.
وهذا يخلق مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي يرى فيه الباحثون أن الإنسيت قد يمتلك إمكانات كبيرة لمواجهة تحديات الأمن الغذائي وتغير المناخ، تتراجع زراعته في بعض المناطق الإثيوبية نفسها.
هل يمكن أن يصبح الإنسيت محصولًا عالميًا؟
أثبتت حدائق كيو النباتية الملكية في بريطانيا أن زراعة الإنسيت خارج إثيوبيا ممكنة من الناحية العملية، بعدما أزهر النبات في الحدائق في أبريل 2023، بعد نحو أربع سنوات من وصوله إليها كنبتة صغيرة.
لكن نجاح زراعة النبات في بيئة جديدة لا يعني بالضرورة إمكانية تحويله سريعًا إلى محصول غذائي عالمي.
فالانتشار يحتاج إلى أصناف مناسبة، ومعرفة متخصصة بطرق الزراعة والحصاد والتخمير، إضافة إلى تطوير وسائل لمعالجة النبات بكفاءة وعلى نطاق واسع.
ويرى الباحثون أن التعاون الدولي يمكن أن يساعد في تطوير هذه الجوانب، مع ضرورة الحفاظ في الوقت نفسه على التنوع الوراثي والمعرفة الزراعية التي طورتها المجتمعات الإثيوبية.
نبات قديم لمواجهة تحديات جديدة
يمثل الإنسيت مثالًا على أهمية البحث عن محاصيل غذائية أقل شهرة بدل الاعتماد بصورة متزايدة على عدد محدود من المحاصيل الرئيسية مثل الأرز والقمح والذرة.
ومع استمرار تأثير تغير المناخ على الزراعة، يمكن أن يصبح تنويع مصادر الغذاء وسيلة مهمة لتقليل المخاطر المرتبطة بالجفاف والآفات والأمراض والتغيرات البيئية.
لكن مستقبل الإنسيت لا يعتمد على قدرته البيولوجية وحدها؛ إذ يحتاج إلى حماية التنوع الزراعي في إثيوبيا، وتحسين طرق الحصاد والمعالجة، ودراسة مدى ملاءمته للزراعة في مناطق أخرى قبل التوسع في استخدامه.
ولهذا، فإن “شجرة مكافحة الجوع” ليست حلًا جاهزًا لمشكلة الغذاء، لكنها تمثل محصولًا واعدًا يستحق المزيد من البحث والتطوير، خصوصًا في ظل الحاجة إلى أنظمة زراعية أكثر تنوعًا وقدرة على التكيف مع المناخ المتغير.