ألكسيس كاريل.. طبيب فاز بنوبل وأسهم في تطوير زراعة الأعضاء ثم أثار جدلًا بأفكاره
حصل الجراح الفرنسي ألكسيس كاريل على جائزة نوبل في الطب عام 1912 تقديرًا لأبحاثه في خياطة الأوعية الدموية وزراعة الأوعية والأعضاء، وهي أعمال أسهمت في وضع أسس مهمة لجراحة الأوعية وزراعة الأعضاء الحديثة. لكن مسيرته لم تتوقف عند الإنجازات الطبية؛ إذ أصبح لاحقًا شخصية مثيرة للجدل بسبب أفكاره حول تحسين النسل والإعدام الرحيم، ثم ارتباطه بمؤسسة أنشأها نظام فيشي في فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية.
وتكشف قصة كاريل عن جانب معقد من تاريخ العلم في القرن العشرين: عالم حقق إنجازات طبية مؤثرة، لكنه تبنى في مراحل لاحقة من حياته أفكارًا عنصرية وسلطوية أثارت انتقادات واسعة، وأصبحت جزءًا أساسيًا من تقييم إرثه التاريخي.
لماذا حصل ألكسيس كاريل على نوبل؟
ولد ألكسيس كاريل في فرنسا عام 1873، واهتم في بدايات مسيرته بالجراحة والأوعية الدموية. وفي مطلع القرن العشرين ركز أبحاثه على إيجاد طرق أكثر دقة لخياطة الشرايين والأوردة، مع تقليل مخاطر النزيف والتجلط وانسداد الأوعية.
وبحسب مؤسسة نوبل، حصل كاريل على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 1912 تقديرًا لأعماله في خياطة الأوعية الدموية وزراعة الأوعية والأعضاء.
وكانت المشكلة التي حاول كاريل حلها أساسية بالنسبة لجراحة نقل الأعضاء: كيف يمكن إعادة توصيل الأوعية الدموية بطريقة تسمح بعودة الدورة الدموية إلى العضو أو النسيج المنقول؟
وفي محاضرته التي ألقاها بمناسبة حصوله على نوبل، شرح كاريل تجاربه على خياطة الأوعية وزراعة أجزاء منها، وأوضح أن تطوير تقنيات الوصل الوعائي جعل من الممكن إجراء عمليات أكثر تعقيدًا على الأوعية والأعضاء.
أبحاث مهدت الطريق أمام زراعة الأعضاء
كانت زراعة الأعضاء في بدايات القرن العشرين تواجه مشكلات تقنية كبيرة، وكان من بينها عدم القدرة على إعادة تدفق الدم إلى العضو المنقول بصورة فعالة.
ركز كاريل على تطوير تقنيات المفاغرة الوعائية، أي وصل وعاء دموي بآخر، وأجرى تجارب على الحيوانات لدراسة كيفية الحفاظ على تدفق الدم بعد عملية الوصل.
وتظهر محاضرته لنوبل مدى اتساع هذه التجارب، إذ تناول فيها زراعة أجزاء من الشرايين والأوردة، إضافة إلى تجارب على أعضاء مثل الكلى.
وتؤكد مؤسسة نوبل أن أعمال كاريل في هذا المجال كانت مهمة لجراحة الأوعية وأسهمت في وضع أساس تقني لزراعة الأعضاء، مع الإشارة إلى أن مشكلة رفض الجهاز المناعي للأعضاء المزروعة ظلت عائقًا كبيرًا، ولم تصبح زراعة الأعضاء الحديثة ممكنة على نطاق واسع إلا بعد تطور أدوية وتقنيات أخرى لاحقًا.
اقرأ أيضاً: بسبب مرحاض.. كيف غرقت الغواصة الألمانية U-1206؟
كاريل وشارل ليندبرغ.. مضخة أبقت الأعضاء خارج الجسم
بعد سنوات من حصوله على نوبل، اتجه كاريل إلى أبحاث زراعة الأنسجة والأعضاء والحفاظ عليها خارج الجسم.
وفي الثلاثينيات تعاون مع الطيار الأمريكي الشهير شارل ليندبرغ لتطوير جهاز للتروية يستطيع تمرير سائل غني بالمغذيات والأكسجين عبر الأعضاء المعزولة.
وتوضح مؤسسة سميثسونيان أن مضخة كاريل-ليندبرغ للتروية طُورت عام 1935، وكانت عبارة عن جهاز زجاجي يحافظ على مرور سائل شبيه بالدم عبر العضو، ما سمح بالحفاظ على أعضاء حيوانية خارج الجسم لفترات ممتدة. وترى المؤسسة أن هذا العمل أسهم في الطريق الذي أدى لاحقًا إلى تطور أجهزة القلب والرئة المستخدمة في جراحات القلب المفتوح.
كما توضح المكتبة الوطنية للطب أن كاريل وليندبرغ تمكنا باستخدام المضخة من إبقاء عدد من الأعضاء الحيوانية، بينها القلب والكلى والغدد، حية خارج الجسم لأسابيع في ظروف تجريبية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين ما حققه الجهاز فعلًا وبين ما ينسب إليه أحيانًا بصورة مبالغ فيها؛ فالمضخة لم تكن جهاز قلب اصطناعيًا حديثًا، ولم تُستخدم لإبقاء أعضاء بشرية حية، لكنها كانت تجربة مهمة في مجال تروية الأعضاء خارج الجسم.
كتاب «الإنسان، ذلك المجهول» غيّر صورة كاريل
لم تقتصر اهتمامات كاريل على الطب التجريبي. ففي عام 1935 نشر كتابه الشهير «الإنسان، ذلك المجهول» (Man, the Unknown)، الذي تناول فيه رؤيته للإنسان والمجتمع والعلم.
حقق الكتاب انتشارًا واسعًا، لكنه تضمن أيضًا أفكارًا أصبحت لاحقًا من أكثر الجوانب إثارة للجدل في إرث كاريل.
وتشير مصادر تاريخية وطبية إلى أن كاريل دافع في كتاباته عن أفكار مرتبطة بـتحسين النسل (Eugenics)، كما تناول بصورة مثيرة للجدل قضايا تتعلق بالمجرمين والأشخاص الذين اعتبرهم غير قادرين على الاندماج في المجتمع.
وكانت هذه الأفكار جزءًا من تيار أوسع كان موجودًا في عدد من المجتمعات الغربية في تلك الفترة، لكنه أصبح لاحقًا مرتبطًا بصورة وثيقة بالممارسات العنصرية وسياسات الاضطهاد التي تبنتها الأنظمة الشمولية.
أفكار حول تحسين النسل والموت الرحيم
من أكثر الجوانب إثارة للجدل في كتابات كاريل دعوته إلى تطبيق أفكار تحسين النسل على المجتمع.
وتشير دراسة تاريخية منشورة في University of Florida Law Review إلى أن كاريل تبنى أفكارًا مرتبطة بالتعقيم والإعدام الرحيم لأسباب ذات صلة بتحسين النسل، كما تناول في كتابه وسائل شديدة القسوة للتعامل مع من صنفهم ضمن فئات غير مرغوب فيها اجتماعيًا.
وهذه الأفكار تختلف جذريًا عن الأساس العلمي الذي منحه جائزة نوبل؛ فالجائزة مُنحت لكاريل عن أعماله في خياطة الأوعية وزراعة الأوعية والأعضاء، وليس عن أفكاره الاجتماعية أو السياسية.
وهذا الفصل مهم لفهم قصته تاريخيًا: الإنجاز الطبي الذي نال عنه نوبل شيء، والأفكار الاجتماعية والسياسية التي تبناها لاحقًا شيء آخر.
علاقته بنظام فيشي في فرنسا
خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت علاقة كاريل بفرنسا الخاضعة لحكومة فيشي جزءًا أساسيًا من الجدل حول إرثه.
ففي عام 1941 أُنشئت المؤسسة الفرنسية لدراسة مشكلات الإنسان بمرسوم من حكومة فيشي، وتولى كاريل دورًا قياديًا فيها. وكانت المؤسسة تهتم بدراسة قضايا السكان والصحة والبيولوجيا وغيرها من الموضوعات التي ارتبط بعضها آنذاك بأفكار تحسين النسل.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن المؤسسة عملت في ظل نظام فيشي، الذي كان متعاونًا مع ألمانيا النازية، وأن برنامجها البحثي شمل قضايا تتعلق بالسكان والصحة والانتقاء البشري.
لكن من المهم عدم اختزال هذه المرحلة في ادعاء أن كاريل كان مسؤولًا شخصيًا عن كل سياسات فيشي أو أن جميع أعمال المؤسسة كانت ذات طبيعة عنصرية؛ فقد تناولت المؤسسة أيضًا موضوعات بحثية وإدارية أخرى، كما أن تقييم مدى مسؤولية كاريل المباشرة عن سياسات محددة ظل موضع نقاش تاريخي.
هل ثبت أن كاريل تعاون مباشرة مع النازيين؟
هذه من النقاط التي تحتاج إلى صياغة دقيقة.
تؤكد المصادر التاريخية ارتباط كاريل بمؤسسة أنشأها نظام فيشي عام 1941، كما تشير إلى دوره القيادي فيها. لكن الادعاء بأنه كان جزءًا مباشرًا من جهاز الاحتلال النازي يحتاج إلى التمييز بين علاقته بنظام فيشي المتعاون مع ألمانيا وبين وجود دليل مباشر على عمله مع سلطات الاحتلال الألماني نفسها.
وهذا التفريق مهم، لأن المصادر لا تقدم المستوى نفسه من الأدلة لكل هذه الادعاءات.
وبالتالي، فإن الصياغة الأكثر دقة هي أن كاريل ارتبط بمؤسسة أنشأها نظام فيشي وتولى فيها دورًا قياديًا، في وقت كانت فيه فرنسا تحت حكم نظام متعاون مع ألمانيا النازية، بينما تبقى طبيعة ومدى علاقته المباشرة بالسلطات النازية موضوعًا تاريخيًا أكثر تعقيدًا.
وفاة كاريل قبل محاكمته
توفي ألكسيس كاريل في باريس يوم 5 نوفمبر 1944، بعد أشهر من تحرير فرنسا وسقوط نظام فيشي. وتؤكد مؤسسة نوبل تاريخ وفاته ومكانها.
وبذلك لم يمثل كاريل أمام محاكمة مكتملة بشأن دوره خلال فترة فيشي.
وهذه النقطة تفسر جانبًا من استمرار الجدل التاريخي حوله، إذ أصبح تقييم دوره في السنوات الأخيرة من حياته يعتمد بدرجة كبيرة على كتاباته وعلاقاته وموقعه داخل المؤسسات التي عمل معها، بدلًا من صدور حكم قضائي نهائي يحدد مسؤوليته الشخصية عن سياسات محددة.
كيف أصبح إرثه العلمي موضع نقاش؟
تقدم قصة ألكسيس كاريل مثالًا واضحًا على أن التقييم التاريخي لشخصية علمية قد لا يتوقف عند إنجازاتها المهنية.
فمن ناحية، كان كاريل أحد الشخصيات المهمة في تطوير تقنيات خياطة الأوعية وزراعة الأوعية والأعضاء، وهو ما كرّمته جائزة نوبل عام 1912 صراحة.
ومن ناحية أخرى، تبنى لاحقًا أفكارًا في تحسين النسل والمجتمع أصبحت موضع رفض وانتقاد واسع، كما ارتبط بمؤسسة أنشأها نظام فيشي خلال الحرب العالمية الثانية.
لذلك لا يمكن اختزال شخصيته في صورة «طبيب عبقري» أو «شخصية مثيرة للجدل» فقط؛ فإرثه يجمع بين إنجازات علمية حقيقية ومؤثرة وأفكار ومواقف تاريخية شديدة الإشكال.
مضخة كاريل وليندبرغ بقيت جزءًا من تاريخ الطب
رغم الجدل الذي أحاط بكاريل، بقيت بعض أدواته وأبحاثه جزءًا من تاريخ العلوم الطبية.
وتحتفظ مؤسسات علمية ومتاحف، بينها مؤسسة سميثسونيان ومؤسسة روكفلر، بنماذج من مضخة كاريل-ليندبرغ للتروية التي طورت في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين. وتصفها مؤسسة سميثسونيان بأنها جهاز ابتكره كاريل وليندبرغ للحفاظ على الأعضاء الحيوانية خارج الجسم، وتربط تطورها تاريخيًا بتقدم تقنيات القلب والرئة وجراحات القلب المفتوح.
لكن من الضروري أيضًا عدم تقديم المضخة باعتبارها وحدها السبب المباشر لظهور زراعة الأعضاء أو جراحات القلب المفتوح الحديثة؛ فقد تطورت هذه المجالات عبر مساهمات متراكمة من علماء وجراحين متعددين على مدى عقود.
طبيب بنوبل وإرث معقد
تظل قصة ألكسيس كاريل واحدة من القصص اللافتة في تاريخ الطب الحديث. فقد حصل على نوبل عام 1912 عن أعمال علمية ساعدت في تطوير جراحة الأوعية ومهدت الطريق أمام تقنيات زراعة الأعضاء، ثم شارك مع شارل ليندبرغ في تطوير مضخة للتروية ساعدت على دراسة الأعضاء خارج الجسم.
لكن هذا الإرث العلمي تزامن مع أفكار اجتماعية وسياسية مثيرة للجدل، خصوصًا تبنيه أفكار تحسين النسل وارتباطه بمؤسسة أنشأها نظام فيشي خلال الحرب العالمية الثانية.
ولهذا بقي اسم كاريل حاضرًا في تاريخ الطب من زاويتين مختلفتين: إنجازات علمية كان لها أثر طويل في الجراحة، وإرث فكري وسياسي أصبح موضع نقد تاريخي شديد.