إعدامات فاشلة هزت تاريخ أميركا.. ويلكيرسون وكيملر في مواجهة الموت

1 55

أعادت محاولة إعدام كريستا بايك في ولاية تينيسي، التي فشلت في سبتمبر 2026، الاهتمام بتاريخ عمليات الإعدام التي لم تجرِ كما كان مخططًا لها في الولايات المتحدة. فقد نجت بايك من محاولة تنفيذ الحكم بالحقن القاتل، ونُقلت لاحقًا إلى المستشفى في حالة حرجة، بينما أعلن حاكم تينيسي تعليق تنفيذ عمليات إعدام أخرى في الولاية خلال عام 2026 وفتح تحقيقًا في الواقعة.

لكن فشل تنفيذ أحكام الإعدام ليس ظاهرة حديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، شهدت الولايات المتحدة عمليات أثارت جدلًا واسعًا بسبب طول تنفيذها أو عدم نجاح الوسيلة المستخدمة من المحاولة الأولى. ومن أشهر هذه الحالات إعدام والاس ويلكيرسون رميًا بالرصاص عام 1879، ووليام كيملر بالكرسي الكهربائي عام 1890، في أول عملية إعدام كهربائي في التاريخ.

والاس ويلكيرسون.. تنفيذ الحكم رمياً بالرصاص

كان والاس ويلكيرسون من سكان إقليم يوتا، وأدين بقتل وليام باكستر بعد خلاف وقع بين الرجلين في يونيو 1877.

صدر بحقه حكم بالإعدام، واختار أن ينفذ الحكم فيه رمياً بالرصاص، وهي إحدى طرق الإعدام التي كانت تسمح بها قوانين يوتا في ذلك الوقت.

وفي 16 مايو 1879، نُفذ الحكم في بروفو بولاية يوتا. وتذكر الروايات التاريخية أن ويلكيرسون لم يوافق على تغطية عينيه، وجلس أمام فرقة الإعدام، لكن الطلقات لم تؤد إلى وفاته بصورة فورية.

وأصيب ويلكيرسون بعدة طلقات، ثم سقط وظل على قيد الحياة لفترة قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بإصاباته.

وتختلف بعض التفاصيل المنشورة في الروايات التاريخية حول المدة الدقيقة التي استغرقها موته، لكن القضية أصبحت لاحقًا جزءًا مهمًا من التاريخ القانوني الأميركي.

قضية ويلكيرسون وصلت إلى المحكمة العليا

لم تنته قصة ويلكيرسون عند تنفيذ الحكم، فقد أصبحت قضيته أمام المحكمة العليا الأميركية في قضية Wilkerson v. Utah.

وكان السؤال القانوني يتعلق بما إذا كان تنفيذ حكم الإعدام رميًا بالرصاص يمثل عقوبة قاسية وغير معتادة بالمخالفة للدستور.

وفي قرار صدر عام 1878، أي قبل تنفيذ الحكم فعليًا في العام التالي، رفضت المحكمة العليا الطعن المتعلق بطريقة الإعدام، وخلصت إلى أن الإعدام رميًا بالرصاص لم يكن، في ذلك السياق، من العقوبات التي يحظرها التعديل الثامن للدستور.

وهنا توجد نقطة زمنية مهمة: قرار المحكمة العليا في قضية ويلكيرسون صدر عام 1878، بينما نُفذ الحكم عليه في 16 مايو 1879. لذلك فإن بعض الروايات التي تضع قرار المحكمة بعد تنفيذ الإعدام تخلط بين التسلسل الزمني للواقعة.

اقرأ أيضاً: ألكسيس كاريل.. طبيب فاز بنوبل وأسهم في تطوير زراعة الأعضاء ثم أثار جدلًا بأفكاره

وليام كيملر.. أول شخص يُعدم بالكرسي الكهربائي

بعد نحو عقد من قضية ويلكيرسون، دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة في تاريخ عقوبة الإعدام.

كان وليام كيملر أول شخص يُعدم باستخدام الكرسي الكهربائي، وذلك في سجن أوبورن بولاية نيويورك يوم 6 أغسطس 1890.

وكان كيملر قد أدين بقتل ماتيلدا زيغلر باستخدام فأس، ثم صدر بحقه حكم بالإعدام وفق قانون نيويورك الجديد الذي اعتمد الصعق الكهربائي وسيلة لتنفيذ أحكام الإعدام. وتؤكد مكتبة الكونغرس أن نيويورك كانت أول ولاية تعتمد الكرسي الكهربائي رسميًا عام 1889، قبل تنفيذ أول عملية به في العام التالي.

لماذا اخترعت أميركا الكرسي الكهربائي؟

ظهر الكرسي الكهربائي في نهاية القرن التاسع عشر باعتباره محاولة لتقديم وسيلة إعدام اعتُقد في ذلك الوقت أنها أكثر إنسانية من الشنق.

وترجع فكرة استخدام الكهرباء في تنفيذ الإعدام إلى طبيب الأسنان ألفريد ساوثويك، الذي بدأ الترويج للفكرة في ثمانينيات القرن التاسع عشر.

وتوضح مكتبة الكونغرس أن الكهرباء قُدمت آنذاك باعتبارها وسيلة حديثة يُعتقد أنها قد تجعل تنفيذ الحكم أكثر سرعة وأقل قسوة من الطرق التقليدية. وفي عام 1889 أقرت نيويورك استخدام الكرسي الكهربائي لتنفيذ أحكام الإعدام.

لكن أول اختبار عملي على إنسان كشف سريعًا أن التكنولوجيا الجديدة لم تكن بالسهولة التي تصورها مؤيدوها.

تجربة كيملر كشفت مشكلات الطريقة الجديدة

في صباح 6 أغسطس 1890، جرى تثبيت كيملر على الكرسي الكهربائي داخل سجن أوبورن.

بدأت العملية بصدمة كهربائية أولى، لكنها لم تؤد إلى وفاته فورًا، وأظهرت التقارير التاريخية أن علامات الحياة استمرت بعد توقف التيار.

وبعد ذلك أُعيد تشغيل التيار، واستمرت العملية حتى أعلن الأطباء وفاة كيملر.

وتختلف المصادر التاريخية في بعض تفاصيل الجهد الكهربائي ومدد الصدمات، وهو ما يجعل الاعتماد على رقم واحد في وصف العملية أقل دقة. أما الثابت في المصادر الموثوقة فهو أن المحاولة الأولى لم تنهِ حياة كيملر، وأنه احتاج إلى صدمة كهربائية ثانية قبل إعلان وفاته.

الصحافة انتقدت أول إعدام كهربائي

أثارت عملية كيملر صدمة كبيرة بين الصحفيين والشهود الذين حضروا التنفيذ، خصوصًا بعدما ظهرت علامات واضحة على أن العملية لم تكن بالسرعة أو السلاسة التي توقعها مؤيدو الكرسي الكهربائي.

وتحتفظ مكتبة الكونغرس بنسخ من الصحف التي غطت الإعدام في اليوم التالي، وتظهر التقارير المعاصرة أن المشهد أثار انتقادات وتساؤلات بشأن مدى نجاح الكهرباء كوسيلة جديدة لتنفيذ أحكام الإعدام.

وبذلك تحولت أول تجربة عملية للكرسي الكهربائي من عرض للتقدم التكنولوجي إلى واقعة كشفت صعوبة تطبيق الطريقة الجديدة على البشر.

ما علاقة «حرب التيارات» بالكرسي الكهربائي؟

ارتبط ظهور الكرسي الكهربائي أيضًا بالصراع المعروف تاريخيًا باسم حرب التيارات بين أنصار التيار المستمر والتيار المتردد في الولايات المتحدة.

واستخدمت سلطات نيويورك نظام التيار المتردد في الكرسي الكهربائي، بينما كان المخترع توماس إديسون من أبرز معارضي التيار المتردد في ذلك الوقت.

وتشير مصادر تاريخية إلى أن تصميم الكرسي ارتبط بمعدات تعتمد على مولدات التيار المتردد التي كانت تنتجها شركة ويستنغهاوس، الأمر الذي جعل الإعدام الكهربائي جزءًا من الصراع التقني والصناعي الذي شهدته الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر.

لكن من المهم عدم اختزال قصة الكرسي الكهربائي في حرب التيارات وحدها؛ فقد كانت هناك أيضًا اعتبارات قانونية وطبية واجتماعية مرتبطة بالبحث عن بديل للشنق.

من ويلكيرسون إلى كيملر.. اختلاف الوسيلة والنتيجة

تختلف قضية ويلكيرسون عن قضية كيملر في وسيلة الإعدام، لكنهما تشتركان في نقطة أساسية: الطريقة المستخدمة لم تؤد إلى وفاة فورية كما كان متوقعًا.

في حالة ويلكيرسون، كان الإعدام رميًا بالرصاص، بينما كان كيملر أول شخص يخضع للكرسي الكهربائي.

كما أن قضية ويلكيرسون اكتسبت أهمية دستورية بسبب وصولها إلى المحكمة العليا، في حين أصبحت قضية كيملر علامة فارقة في تاريخ استخدام الكهرباء لتنفيذ أحكام الإعدام.

وهكذا لم تكن القضيتان مجرد واقعتين جنائيتين، بل ارتبطتا أيضًا بتاريخ تطور مفهوم العقوبة وطريقة تنفيذها في الولايات المتحدة.

كريستا بايك تعيد النقاش إلى الواجهة

في سبتمبر 2026، عادت مشكلات تنفيذ أحكام الإعدام إلى الأخبار الأميركية بعد فشل محاولة إعدام كريستا بايك بالحقن القاتل في تينيسي.

وبحسب رويترز، تلقت بايك جرعتين من عقار بنتوباربيتال، لكن عملية إعطاء العقار عبر الوريد واجهت مشكلات، ما أدى إلى إصابات خطيرة ونقلها إلى المستشفى وهي في حالة حرجة. وأعلن حاكم الولاية تعليق عمليات الإعدام لبقية عام 2026 وإجراء مراجعة مستقلة للواقعة.

وتختلف هذه الواقعة عن حالتي ويلكيرسون وكيملر من حيث التقنية المستخدمة، لكنها تطرح السؤال التاريخي نفسه: هل يمكن لأي وسيلة لتنفيذ حكم الإعدام أن تضمن عملية خالية من الأخطاء؟

ولا تقدم الحالات التاريخية إجابة بسيطة، لكنها تظهر أن محاولات جعل تنفيذ الإعدام أكثر سرعة أو دقة لم تمنع وقوع عمليات فاشلة أو مثيرة للجدل.

تاريخ طويل من البحث عن «طريقة أكثر إنسانية»

من الشنق إلى الرمي بالرصاص، ثم الكرسي الكهربائي والحقن القاتل، تغيرت وسائل تنفيذ أحكام الإعدام في الولايات المتحدة على مدار أكثر من قرن.

وفي كل مرحلة تقريبًا، قُدمت وسيلة جديدة باعتبارها بديلًا أفضل من الطريقة السابقة، لكن بعض عمليات التنفيذ كشفت أن التطبيق العملي يمكن أن يختلف عن التصور النظري.

وتظل قضية وليام كيملر مثالًا تاريخيًا بارزًا على ذلك؛ فقد كان أول شخص يخضع للكرسي الكهربائي، لكن العملية نفسها لم تسر كما توقع مؤيدو الوسيلة الجديدة. وتوثق مكتبة الكونغرس هذه المرحلة ضمن تاريخ الكرسي الكهربائي في الولايات المتحدة، بما في ذلك تبني نيويورك للطريقة عام 1889 وتنفيذ أول عملية عام 1890.

أما قضية والاس ويلكيرسون، فقد تركت أثرًا مختلفًا في التاريخ، بعدما أصبحت جزءًا من اجتهادات المحكمة العليا الأميركية المتعلقة بحدود العقوبات التي يمكن اعتبارها قاسية وغير معتادة.

وتوضح هذه القصص أن تاريخ عقوبة الإعدام في أميركا لا يرتبط فقط بجرائم المحكوم عليهم، بل أيضًا بتاريخ القانون والطب والتكنولوجيا، وبالمحاولات المتكررة لتطوير وسائل تنفيذ الأحكام التي أثارت بدورها أسئلة أخلاقية وقانونية وإنسانية واسعة.

🔗 رابط مختصر للخبر
✓ تم نسخ الرابط بنجاح